حين يُسأل وزير خارجية دولة من دول جنوب شرق آسيا عن موقف بلاده من الصراع الأمريكي-الصيني، كثيرًا ما تأتي الإجابة مراوغةً ولكنها محسوبة بعناية: "نحن مع الجميع ولسنا ضد أحد". هذه العبارة الدبلوماسية الهادئة تخفي وراءها واحدة من أكثر استراتيجيات السياسة الخارجية تعقيدًا ودقةً في العالم: استراتيجية الحياد الإيجابي التي تتبناها دول جنوب شرق آسيا في مواجهة أشرس تنافس جيوسياسي يعرفه القرن الحادي والعشرون.
01تاريخ ونظرية: لماذا الحياد ليس ضعفًا
يجب أولاً إزالة خطأ شائع: الحياد الاستراتيجي لدول جنوب شرق آسيا ليس غياب رأي أو ضعف في الإرادة. إنه استراتيجية متعمدة ومتجذرة في تاريخ المنطقة وجغرافيتها وتجاربها المريرة مع الاستعمار. فمعظم هذه الدول عاشت تحت الاستعمار الأوروباني أو الياباني أو كليهما، وتعلمت من هذه التجربة الدرس الأقسى: الاصطفاف الكامل خلف قوة كبرى يكلّف الاستقلال والسيادة.
مبدأ "مركزية الآسيان" الذي تتبناه المنظمة كمرجعية استراتيجية يعني تحديدًا أن المنطقة ينبغي أن تكون هي من يُحدد شروط انخراطها مع القوى الكبرى، لا أن تكون ساحة للتنافس بينها. هذا المبدأ أسهل في النظرية منه في التطبيق، لكنه يعكس إرادة سياسية حقيقية تبلورت على مدى عقود من التجارب الجيوسياسية المختلفة.
02الشقوق في جدار الحياد: دول منقسمة داخل منظمة متفككة
الآسيان ليست كتلة صمّاء متجانسة. فبين أعضائها تناقضات صارخة حول كيفية إدارة العلاقة مع القوتين الكبريين. الفلبين في ظل الرئيس ماركوس الابن تحوّلت نحو واشنطن بشكل لافت، ووقّعت اتفاقيات دفاعية توسيع الوجود العسكري الأمريكي في أربع قواعد إضافية. في المقابل، كمبوديا ولاوس تُعدّان في الغالب ضمن المحور الصيني، إذ تعتمدان اعتمادًا كبيرًا على المساعدات والاستثمارات الصينية.
إندونيسيا، أكبر دول المنظمة وأكثرها تأثيرًا، تُجسّد نموذج الحياد الحقيقي: رئيسها برابوو سوبيانتو، قائد سابق في الجيش خبر الضغوط الخارجية، يتعامل بواقعية حسابية مع الطرفين. جاكرتا تُبرم صفقات دفاعية مع واشنطن في الوقت الذي ترفض فيه الانضمام إلى أي بيان يستهدف الصين بشكل صريح.
«لسنا ضعفاء لأننا لا نختار. نحن أقوياء لأننا نحتفظ بحق الاختيار لأنفسنا.»
- رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، مؤتمر سنغافورة للأمن 2024
03حين يكون الاقتصاد هو البوصلة السياسية الأولى
يكمن مفتاح فهم الموقف الآسيوي في الاقتصاد. الصين هي الشريك التجاري الأول لكل دول الآسيان مجتمعةً، وسلاسل الإنتاج الإقليمية متشابكة مع المنظومة الاقتصادية الصينية بصورة يصعب فكّها في المدى القريب. الاعتماد الاقتصادي على بكين يُقيّد الخيارات السياسية والأمنية حتى لدى الدول الأكثر ميلاً نحو واشنطن.
في الوقت ذاته، تُدرك هذه الدول أن الولايات المتحدة تظل الضامن الأمني الأهم، وأن الاستثمارات الأمريكية والغربية تُقدّم تقنيات ومعرفة لا يمكن للصين توفيرها في مرحلة ما. هذا الاعتماد المزدوج - اقتصاديًا على الصين وأمنيًا وتقنيًا على الغرب - هو جوهر المعادلة الاستراتيجية التي يسعى قادة المنطقة للتمسك بها ما أمكن.
⚠️ الاختبار الصعب: متى يُجبر الحياد على الانتهاء؟
ثلاثة سيناريوهات يرى المحللون أنها قد تُنهي نهج الحياد الآسيوي قسرًا:
1. أزمة عسكرية مباشرة في بحر الصين الجنوبي تضطر إحدى الدول للطلب صراحةً بتدخل أمريكي.
2. فرض صيني لحصار اقتصادي عقابي على دولة "متمردة" يُجبر الأخرى على الاختيار.
3. أزمة تايوان التي قد تُحوّل المنطقة كلها إلى ساحة مواجهة دون استشارة أحد.
04بورتريه جماعي: كيف يتعامل كل بلد مع الضغطين
التمايزات بين دول الآسيان في إدارة علاقاتها مع القوتين الكبريين تكشف عن تباين مذهل في الأولويات والهواجس:
- فيتنام: التعاون الدفاعي مع الهند وأمريكا في تصاعد، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية ضرورية مع بكين.
- الفلبين: الأكثر انحيازًا نحو واشنطن في المرحلة الراهنة، مدفوعةً بالتوترات الحادة مع الصين في بحر الصين.
- إندونيسيا: نموذج الحياد الأكثر عقلانية وحسابًا. جاكرتا تُدير المسافات بحرفية نادرة.
- ماليزيا وسنغافورة: تُدركان أن استمرار ازدهارهما يتطلب الانفتاح على الطرفين بلا استفزاز لأي منهما.
- ميانمار: الأزمة الداخلية أفقدتها الدور والتأثير، وباتت الصين الداعم الأهم للمجلس العسكري.
05الأمن الإقليمي في غياب ضامن واضح
أحد أخطر تداعيات سياسة الحياد هو الفراغ الأمني الذي يبقى غير مُعالج. فالآسيان كمنظمة لا تملك قوة دفاعية مشتركة، ولا آلية أمنية جماعية فعّالة. كل دولة تدير أمنها باستقلالية، مما يُضعف القدرة التفاوضية الجماعية أمام الصين ويجعل كل دولة عُرضة للضغط الثنائي المنفرد.
الصين تستغل هذا بدقة: إذا كان لديها نزاع مع فيتنام، تتجنب إثارة الفلبين وإندونيسيا في الوقت ذاته. هذا التكتيك الثنائي الانتقائي هو أحد أسباب عجز الآسيان عن تبنّي مواقف موحدة وحازمة تجاه السلوك الصيني في بحر الصين الجنوبي رغم أن ستة من أعضائها لديهم نزاعات مباشرة مع بكين.
06إلى أين تتجه منطقة تسير على حافة الهاوية؟
مسارات محتملة ثلاثة تُلوح في الأفق لمستقبل الموقف الآسيوي من الاستقطاب الأمريكي-الصيني:
- استمرار الحياد المُدار: السيناريو الأرجح على المدى القريب، لكنه يزداد صعوبةً مع تصاعد حدة الاستقطاب العالمي.
- تمايز تدريجي نحو واشنطن: في حال تصاعدت الضغوط الصينية العسكرية، قد تنزلق بعض الدول نحو تعمّق أكبر في الشراكات الأمريكية.
- بناء استقلالية إقليمية: الاحتمال الأكثر طموحًا وهشاشةً: أن تُطوّر الآسيان قدرات دفاعية وسياسية مستقلة تجعلها قطبًا بحد ذاتها.
07الأطماع الخفية: ما تريده واشنطن وبكين من المنطقة حقًا
الولايات المتحدة تريد من الآسيان أن تُقيّد نفوذ الصين وتحدّ من توسعها البحري، وأن توفر لها قواعد وتسهيلات عسكرية تُمكّنها من بسط حضورها في منطقة تُعدّ مفتاحًا للسيطرة على التجارة العالمية. وفي المقابل تُقدّم واشنطن اليد الأمنية والتكنولوجية.
الصين تريد من الآسيان مظلة شرعية لهيمنتها في بحر الصين الجنوبي، وسوقًا لصادراتها ووجهةً لاستثماراتها وتسهيلات مرفئية لمشاريع الحزام والطريق. وهي تُقدّم المال والبنية التحتية بدلاً من الضمانات الأمنية الصريحة. المنطقة في المحصلة هي البيضة التي يريد الديكان أن يحتضناها معًا، ولهذا بقاء الحياد هو المصلحة الحقيقية للمنطقة وليس أمنيةً ساذجة.
08ما يمكن أن يتعلمه العالم العربي من التجربة الآسيوية
غالبًا ما يُقارن المراقبون العرب بين وضعهم ووضع دول جنوب شرق آسيا. فكلتا المنطقتين تقعان في مناطق نفوذ متنازَع عليها بين القوى الكبرى. لكن التجربة الآسيوية تُقدّم درسًا مثيرًا: الحياد ممكن ومُجدٍ حين تكون ثمة إرادة جماعية متماسكة وحين يُبنى على أسس اقتصادية متينة لا على مجرد خطاب سياسي.
الفارق الأهم هو أن الآسيان بنت قيمتها الاستراتيجية على الاندماج الاقتصادي الداخلي أولًا ثم على العلاقات الخارجية. وهذا الترتيب للأولويات هو ما أعطاها أوراق ضغط حقيقية لا تمتلكها مجموعات إقليمية أخرى تبدأ بالتصريحات السياسية قبل بناء قاعدتها الاقتصادية الداخلية.
الحياد الاستراتيجي الذي تتبناه دول الآسيان ليس تهربًا من الواقع، بل هو قراءة بارعة له. في عالم يُعاقب التطرف ويُكافئ المرونة، تمثّل هذه الدول نموذجًا ناجحًا حتى الآن لإدارة الضغوط الكبرى.
لكن هذا الحياد لا يُمكن أن يكون دائمًا. الانعطافات الكبرى في الجيوسياسية الآسيوية - كأزمة تايوان أو مواجهة بحرية مباشرة - ستضع هذه الاستراتيجية أمام أقسى اختباراتها، وستكشف إذا ما كانت هذه المنطقة قادرة على التحول من مجرد الحياد إلى الاستقلالية الحقيقية.
حتى ذلك الحين، يبقى هذا الحياد الحسابي إنجازًا استراتيجيًا نادرًا في عالم متسارع نحو الاستقطاب.
اقرأ أيضاً
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت