لقرون خلت كان الأطلسي البحر المحوري في تاريخ العالم: طريق الاكتشافات الكبرى وتجارة الرقيق واستعمار الأمريكتَين وحربَي القرن الماضي. كان القرن العشرون أطلسياً بامتياز، تهيمن عليه ثنائية أوروبا الغربية في ظل الهيمنة الأمريكية وأوروبا الشرقية في قبضة الاتحاد السوفيتي. لكن منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ينتقل مركز ثقل العالم الجيوسياسي والاقتصادي بشكل لا رجعة عنه نحو المحيط الهادئ. هذا التحول، المحسوس أولاً ثم الموثّق اليوم توثيقاً كاملاً، يُعيد تشكيل التحالفات والعقائد العسكرية وحسابات القوى الكبرى.
01الثقل الاقتصادي للمحيط الهادئ
الأرقام لا تعترض. اقتصادات رابطة المحيط الهادئ — الولايات المتحدة والصين واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وكندا ودول رابطة آسيان — تمثل اليوم أكثر من خمسين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وقرابة خمسة وأربعين بالمئة من التجارة الدولية. منطقة آسيا والمحيط الهادئ هي محرك النمو العالمي على مدى الثلاثين سنة الأخيرة، ومراكزها المالية — من شنغهاي إلى طوكيو ومن سيدني إلى سنغافورة — باتت عُقداً بالغة الأهمية في البنية المالية العالمية لا تقل ثقلاً عن نيويورك أو لندن.
02خطوط التوتر الجيوسياسي
يتركز في المحيط الهادئ أيضاً أحدّ التوترات الجيوسياسية في العصر الراهن. قضية تايوان الأشد انفجاراً: تعدّ الصين الجزيرة مقاطعة متمردة توحيدها مع البر قضية مبدأ وطني صارم ومسألة وقت. الولايات المتحدة دون أن تعترف رسمياً بالسيادة الصينية على تايوان تبيع لتايبيه الأسلحة وتتمسك بالغموض الاستراتيجي المحسوب. أي محاولة غزو أو حصار تايواني ستضع القوتَين الأوليَين في العالم على حافة مواجهة مباشرة. إلى جانب ذلك بحر الصين الجنوبي وجزر سنكاكو وشبه الجزيرة الكورية: كل منطقة منها نقطة احتكاك محتملة.
03التحدي اللوجستي الأمريكي
التحدي الاستراتيجي الأمريكي في المحيط الهادئ له بُعد لوجستي لا يظهر في الخطابات الرسمية. المسافات شاسعة والوجود العسكري الأمريكي يستند إلى قواعد محدودة في اليابان وكوريا الجنوبية وغوام. أي أزمة مفاجئة في مضيق تايوان قد لا تتيح الوقت الكافي لنشر قوات أمريكية كافية، وهو ما تحسبه أركان الحرب الصينية بعناية.
04أستراليا: قوة إقليمية في حالة تحوّل
تحتل أستراليا موقعاً جغرافياً فريداً في هذا المشهد: قوة أوقيانوسية وغربية في وقت واحد، وهي البلد الأكثر تجسيداً للدور الاستراتيجي المتجدد للمحيط الهادئ. اتفاق أوكوس لعام 2021 الذي سيمنحها غواصات تعمل بالطاقة النووية علامة على تحول حقبة: كانبيرا لم تعد تتصور نفسها دولة بعيدة عن كبرى الأزمات، بل فاعلاً أمنياً إقليمياً من الصف الأول.
05خاتمة استشرافية
لا يصبح المحيط الهادئ المركز الاستراتيجي للعالم لأن صانعي قرار أرادوا ذلك، بل لأن حركة الاقتصاد العالمي وصعود الصين وتركز أحدّ التوترات الجيوسياسية فيه يجعله كذلك حتماً. القوى التي أدركت هذا التحول ونظّمت استراتيجيتها في ضوئه — الصين والولايات المتحدة واليابان وأستراليا — تمتلك أسبقية على تلك التي لا تزال تقرأ العالم بخرائط أطلسية.
العمالقة التكنولوجيون الكوريون الجنوبيون في قلب الحر…
سامسونج وSK Hynix وهيمنة ذاكرات DRAM — كيف أصبحت سيول رقعة شطرنج تتنافس عليها …
← اقرأ المقاللماذا تضخّ الجيوش استثمارات هائلة في الطائرات المسيّ…
من قره باغ إلى أوكرانيا — ثورة الطائرات المسيّرة تُعيد رسم طبيعة الحرب وتطرح أ…
← اقرأ المقالاليابان تُعيد تسليح نفسها: هل تتخلى طوكيو عن السلمية…
المادة التاسعة ومضاعفة الميزانية الدفاعية وقدرات الضربة المضادة — ثورة استراتي…
← اقرأ المقالهل دخلنا حقاً حرباً باردة عالمية جديدة؟
التنافس الصيني-الأمريكي وعودة منطق المواجهة — لماذا يشبه عالم اليوم الحرب البا…
← اقرأ المقال