Geopolo عربي · طرق التجارة العالمية
Geopolo
GEOPOLITICS · HISTORY · PLACES
طرق التجارة العالمية · البحر الأحمر

باب المندب: كيف تُسعّر حرب اليمن طريقاً بين آسيا وأوروبا؟

لا تكمن قوة المضيق في ضيقه وحده، بل في أنه بوابة إلزامية تقريباً لكل سفينة تريد الجمع بين المحيط الهندي وقناة السويس. منذ 2023 أثبت فاعل مسلح على الساحل اليمني قدرته على فرض كلفة عالمية من دون إغلاق الممر رسمياً.

9.3 ملايين برميل/يوم في 20234.2 ملايين في النصف الأول 2025هجمات جديدة في يوليو 2026

مضيق صغير داخل منظومة أطول من ألفي كيلومتر

يفصل باب المندب جنوب غرب اليمن عن جيبوتي وإريتريا، ويصل خليج عدن بالبحر الأحمر. تقسمه جزيرة ميون إلى قناتين، لكن الضيق الفيزيائي ليس سوى نصف القصة. السفينة المتجهة من المحيط الهندي إلى المتوسط يجب أن تعبره ثم تقطع البحر الأحمر وقناة السويس؛ وإذا تجنبته غالباً ما تدور حول رأس الرجاء الصالح. لذلك تعمل السويس وباب المندب كحلقتين في منتج لوجستي واحد: اختصار آسيا ـ أوروبا.

المشكلة الجيوسياسية هي أن كل حلقة تقع في بيئة سياسية مختلفة. مصر تدير القناة، بينما يطل اليمن المنقسم على الضفة الشرقية للمضيق، وتجاوره دول القرن الأفريقي ذات القدرات والمصالح المتباينة. تستطيع السفينة أن تملك حق المرور، لكن لا جهة واحدة تضمن أمن الرحلة كلها. هذا التشتت يسمح لفاعل محلي بأن يؤثر في إيرادات مصر وأسعار التأمين وجداول موانئ بعيدة.

أرقام الطاقة تكشف التحويل لا الاختفاء

تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تدفقات النفط عبر باب المندب بلغت 9.3 ملايين برميل يومياً في 2023، ثم هبطت إلى 4.1 ملايين في 2024 و4.2 ملايين في النصف الأول من 2025. أما الغاز الطبيعي المسال فانخفض من نحو 4.2 مليارات قدم مكعبة يومياً في 2023 إلى مستوى قريب من الصفر في 2024 والنصف الأول من 2025. هذه الأرقام لا تعني أن الطلب العالمي تبخر؛ الجزء الأكبر تغير مساره.

يظهر أثر التحويل عند رأس الرجاء الصالح، حيث ارتفعت تدفقات النفط من 6.2 ملايين برميل يومياً في 2023 إلى 9.3 ملايين في 2024 وفق السلسلة نفسها. واستُخدم خط شرق ـ غرب السعودي وموانئ البحر الأحمر لتعديل بعض الصادرات. وهنا يجب تجنب ازدواج الحساب: النفط الذي يغادر باب المندب ويظهر عند الرأس ليس إمداداً جديداً، بل الحمولة نفسها تقطع مسافة أطول وتستهلك سعة ناقلات أكبر.

اقتصاد الهجوم: كلفة محلية محدودة وأثر شبكي كبير

منذ نوفمبر 2023 استخدمت جماعة أنصار الله الحوثية صواريخ وطائرات مسيّرة ووسائل اعتراض ضد سفن قالت إنها مرتبطة بإسرائيل أو بداعميها، وربطت عملياتها بحرب غزة. لا يثبت الإعلان وحده دقة اختيار الأهداف؛ فملكية السفينة وإدارتها وعلمها وحمولتها قد تنتمي إلى دول مختلفة، وتتغير خلال عمرها التجاري. هذا التعقيد يوسع عدم اليقين، وقد يدفع شركة لا تستهدفها الرسالة المعلنة إلى الانسحاب أيضاً.

عدم التماثل هو مصدر النفوذ. كلفة إطلاق مسيّرة أو تهديد سفينة أقل كثيراً من كلفة مرافقة الأساطيل وتأمين آلاف الرحلات أو إضافة أسبوعين تقريباً حول أفريقيا بحسب المسار والسرعة. ولا يحتاج المهاجم إلى إغلاق المضيق؛ يكفي أن يرفع احتمال الخسارة فوق العتبة التي يقبلها المؤمّن والمالك والطاقم. بذلك يصبح الخوف نفسه أداة لتعطيل الشبكة.

الفاعلون يريدون أشياء مختلفة من البحر الأحمر

يريد الحوثيون تحويل الجغرافيا البحرية إلى ورقة إقليمية وإثبات قدرة ردع تتجاوز حدود اليمن. ترى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أن الهجمات تقوض سيادتها واقتصاد موانئها. تسعى إيران إلى نفوذ يرفع كلفة الضغط عليها وعلى حلفائها، بينما تريد السعودية والإمارات خفض التهديد وحماية الصادرات من دون الانجرار دائماً إلى حرب يمنية واسعة. وتحتاج مصر قبل كل شيء إلى عودة الحركة نحو السويس.

على الضفة الأفريقية، تستضيف جيبوتي قواعد لقوى متعددة وتربط اقتصادها بالموانئ والخدمات، فيما تراقب إريتريا والصومال أمن الساحل وخليج عدن. وجود قواعد كثيرة لا يساوي قيادة موحدة؛ فلكل قوة قواعد اشتباك وأولويات وتحالفات مختلفة. كما أن تنافس الموانئ والاستثمارات في القرن الأفريقي يمنح الموقع قيمة، لكنه لا يبني تلقائياً قدرة مشتركة على مراقبة المجال البحري.

من يدفع الثمن؟ العبء لا يتبع المسؤولية

تخسر مصر إيراداً، وتدفع شركات الشحن وقوداً وتأميناً، ثم تمرر قسماً من الكلفة إلى المستورد. لكن العبء النسبي أشد على اقتصادات شرق أفريقيا والدول الجزرية والبلدان الفقيرة التي تعتمد على الواردات ولا تملك مخزوناً أو قوة تفاوضية. أشارت أونكتاد إلى أن جيبوتي والسودان يعتمدان على السويس في نحو ثلث تجارتهما، ما يجعل تحويل المسارات تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والمالي لا مجرد تأخير لسلع استهلاكية.

هناك أيضاً كلفة بيئية وإنسانية. إصابة ناقلة قد تسبب تلوثاً في بحر شبه مغلق ذي نظم شعاب حساسة، وغرق سفينة يهدد الطاقم والممر. البحارة مدنيون، لكنهم يتحملون قراراً سياسياً لم يشاركوا فيه. لذلك تكرر المنظمة البحرية الدولية أن تقييم المخاطر لا يجوز أن يحول سلامة الطاقم إلى متغير تجاري ثانوي.

لماذا لا تكفي المدمرات لحل المشكلة؟

نشرت قوى غربية وإقليمية قطعاً بحرية واعتراضات جوية لحماية الملاحة، واعتمد مجلس الأمن قرارات تطالب بوقف الهجمات. وتوفر ترتيبات مثل مدونة جيبوتي وتعديل جدة إطاراً لتبادل المعلومات وبناء قدرات الدول الساحلية. تستطيع هذه الأدوات خفض احتمال الإصابة وإنقاذ السفن وردع بعض العمليات، لكنها لا تستطيع ضمان كل رحلة في مساحة واسعة ضد تهديدات رخيصة ومتغيرة.

كما يخلق الرد العسكري خطر التصعيد وإزاحة المشكلة إلى البر. مصادر الإطلاق والقيادة موجودة في سياق حرب يمنية لم تُحل، وترتبط بتوترات غزة وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك تفصل الاستجابة المستدامة بين ثلاث مهام: حماية فورية للبحارة، وفرض قواعد الملاحة والمحاسبة، وتسوية سياسية تقلل دافع الهجوم. النجاح في واحدة لا يعوض فشل الأخريين.

حالة يوليو 2026: الهدوء المؤقت ليس عودة إلى الوضع السابق

في 23 يوليو 2026 أدانت المنظمة البحرية الدولية هجمات جديدة على الشحن في البحر الأحمر، ودعت المشغلين إلى تقييم المخاطر بدقة. ويعني تجدد الحوادث أن أي زيادة سابقة في العبور لا يمكن تمديدها آلياً إلى المستقبل. شركات الخطوط المنتظمة تحتاج إلى فترة أمان يمكن الوثوق بها، لا مجرد وقف قصير، لأن إعادة بناء الجداول ونقل السفن والحاويات بين المسارات عملية مكلفة.

ثلاثة سيناريوهات معقولة: خفض تصعيد يعيد معظم الحركة إلى السويس؛ أو تهديد انتقائي يبقي السوق منقسماً حسب العلم والملكية والحمولة؛ أو توسع إقليمي يربط باب المندب بأزمات هرمز والقرن الأفريقي. حدود كل سيناريو واضحة: حتى التسوية اليمنية لا تنهي كل القرصنة، وحتى الحماية البحرية الكثيفة لا تعالج جذور الصراع. الجواب عن السؤال الأصلي هو أن باب المندب يمنح الفاعل الساحلي نفوذاً، لكن تحويل هذا النفوذ إلى مكسب سياسي مستدام أصعب من تعطيل السفن.

سلسلة انتقال الصدمة

هجوم أو تهديد على سفينةرفع التأمين وتغيير تقييم الطاقمتحويل حول رأس الرجاء الصالحضغط على السويس والسعة والأسعار

المصادر الرئيسية ومنهج التحقق

تُفصل بيانات التدفق عن بيانات الحوادث والمواقف السياسية. أرقام الطاقة من إدارة معلومات الطاقة الأميركية، والحوادث والتقييمات الأمنية من المنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة.

اقرأ في السلسلة

أسئلة شائعة

هل باب المندب مغلق أمام السفن؟

ليس مغلقاً رسمياً بصورة شاملة، لكن ارتفاع الخطر دفع شركات كثيرة إلى تجنبه. الاستخدام الفعلي أقل من القدرة الهندسية والقانونية للممر.

لماذا لا تمر السفن المحمية عسكرياً كلها؟

الحماية تخفض الخطر ولا تلغيه، ولا تتوافر مرافقة لكل سفينة. يبقى القرار مرتبطاً بالتأمين والطاقم ونوع الحمولة وقواعد الشركة.

ما العلاقة بين باب المندب وقناة السويس؟

هما حلقتان متتاليتان في طريق البحر الأحمر. من يتجنب باب المندب لا يستطيع عادة الاستفادة من السويس في رحلة آسيا ـ أوروبا ويتجه حول أفريقيا.

نشرة Geopolo

تحليلات جيوسياسية معمقة مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.