في عالم يمجّد الصخب والمواجهة، تختار عُمان الصمت الاستراتيجي. بينما تتصاعد التوترات بين واشنطن وعواصم الخليج، وبينما تتحول التهديدات الترامبية إلى أداة ضغط مألوفة في السياسة الخارجية الأمريكية، تمشي مسقط في خط مستقل تمامًا - لا عدائيًا ولا استسلاميًا، بل براغماتيًا بامتياز.
عُمان ليست حالة شاذة بل نموذج جدير بالدراسة: دولة خليجية صغيرة نسبيًا اختارت الحياد الإيجابي كاستراتيجية وجودية. وقد أثبت هذا الاختيار جدواه مرات ومرات - من الوساطة في الأزمة النووية الإيرانية، إلى العلاقات مع إسرائيل قبل اتفاقيات التطبيع، وصولًا إلى التعامل مع كل أطراف الأزمة اليمنية.
إرث قابوس: الحياد كفلسفة دولة
رسّخ السلطان قابوس بن سعيد، الذي حكم عُمان من 1970 حتى وفاته عام 2020، نهجًا دبلوماسيًا فريدًا في منطقة لا تعرف الفروق الدقيقة. كانت عُمان في آنٍ معًا: عضوًا في مجلس التعاون الخليجي دون أن تنجرف مع التيارات السائدة، ومحافظةً على علاقاتها مع إيران حتى في ذروة التوترات السعودية-الإيرانية، وممثلةً لمصالح أطراف متناقضة وراء الكواليس.
خلّف قابوس مؤسسةً دولةً راسخة، لا زعيمًا كاريزميًا فقط. السلطان هيثم بن طارق الذي خلفه منذ 2020 واصل هذا الإرث بتوازن لافت، رغم ضغوط هائلة تتجاذبه من كل الجهات.
التهديدات الترامبية وحسابات مسقط
في ولايته الثانية، لجأ ترامب مرةً أخرى إلى أسلوب الضغط الاقتصادي والتهديد العلني تجاه دول الخليج: طالب بزيادات في إنتاج أوبك، ألمح إلى تكاليف الحماية الأمريكية، وأعاد صياغة العلاقة مع الرياض كـ"صفقة" تجارية أكثر منها شراكة استراتيجية.
موقع عُمان من هذه الضغوط مختلف جذريًا. هي ليست عضوًا في أوبك+ بشكل يُلزمها بالكامل، ولا حجم اعتمادها على الحماية الأمريكية مثل الرياض أو أبوظبي. علاوةً على ذلك، علاقتها مع طهران تجعلها ورقةً قيّمة في أي مسار تفاوضي أمريكي-إيراني - وهو ما يمنحها هامشًا ضمنيًا من واشنطن نفسها.
«عُمان تقدّم لواشنطن خدمة لا يمكن لأحد آخر أن يقدمها: قناة مفتوحة مع طهران. هذه الورقة تحميها من الضغط الأمريكي أكثر مما يحميها أي تحالف عسكري.» تحليل المعهد الملكي للشؤون الدولية، لندن ٢٠٢٥
العلاقة مع إيران: رصيد لا يمكن تجاهله
عُمان وإيران تتشاركان مضيق هرمز - أحد أكثر الممرات المائية أهميةً في العالم اقتصاديًا. هذا التقاطع الجغرافي أسّس لعلاقة براغماتية ضرورية. لكن عمق العلاقة يتجاوز الجغرافيا: فعُمان استضافت المفاوضات السرية الأمريكية-الإيرانية التي مهّدت لاتفاق 2015 النووي، وبقيت الوسيط الأكثر ثقةً بين واشنطن وطهران حتى اليوم.
هذا الدور لا يعني الانحياز لإيران. عُمان رفضت بهدوء الانجرار نحو أي محور، ومنعت التوترات من الانفجار في عدة مناسبات دون أن تُعلن ذلك صراحةً. دبلوماسيتها تعمل بصمت بقدر ما تعمل بفاعلية.
اليمن الجار: معضلة وفرصة
اليمن حالة اختبار حقيقية للنهج العُماني. مسقط ترفض المشاركة في التحالف العربي بقيادة السعودية، وتحتفظ بقنوات مفتوحة مع الحوثيين وباقي الأطراف اليمنية، وتستضيف مفاوضات السلام غير الرسمية على أراضيها.
هذا النهج أثار توترًا خفيًا مع الرياض - لكنه في الوقت نفسه جعل عُمان الممر الإلزامي لأي تسوية يمنية مستقبلية. وقد أفادت تقارير متعددة أن مفاوضات حوثية-سعودية جرت في مسقط أو بوساطتها في مراحل متعددة.
التحديات الاقتصادية: هشاشة لا يمكن إخفاؤها
الحياد الاستراتيجي يكلف. عُمان أقل ثراءً من جيرانها الخليجيين: احتياطياتها النفطية أصغر، قاعدتها الاقتصادية أضيق، وملف التنويع الاقتصادي يسير بخطى أبطأ مما تحتاجه.
⚠️ التحديات الاقتصادية العُمانية
نسبة الدين العام إلى الناتج تجاوزت 60% في سنوات الأزمة النفطية. البطالة بين المواطنين الشباب لا تزال تشكل ضغطًا اجتماعيًا حقيقيًا. خطة رؤية 2040 تضع أهدافًا طموحة للتنويع، لكن الأسعار النفطية تبقى المتغير الحاسم في المعادلة.
لكن عُمان تعوّض هذا الضعف الاقتصادي النسبي بنفوذ دبلوماسي يفوق حجمها بكثير. في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى، وسيط محايد موثوق يساوي ضعفَين من الثروة النفطية.
النموذج العُماني: هل يصمد في مرحلة الاستقطاب؟
الخطر الأكبر على النموذج العُماني هو الاستقطاب المتزايد في المنطقة. في عالم يُطالب فيه الجميع بـ"معي أو ضدي"، أصبح الحياد أصعب كلفةً وأضيق هامشًا. الضغوط السعودية والإماراتية للانضمام إلى جبهاتها، والضغوط الإيرانية للتعامل بحذر مع التطبيع، والضغوط الأمريكية للمشاركة في منظومات الردع - كلها تُضيّق على مسقط هامشها التاريخي.
ما يحمي عُمان في نهاية المطاف هو إدراك كل الأطراف أن وجود وسيط موثوق يخدم مصالح الجميع. وطالما استمر هذا الإدراك، بقي النموذج العُماني صالحًا - وربما أكثر ضرورةً مما كان في عهد قابوس.
عُمان أثبتت على مدى عقود أن "الحياد الإيجابي" ليس ضعفًا بل خيارًا استراتيجيًا متكاملًا يمنح صاحبه نفوذًا استثنائيًا في عالم الأزمات. في مواجهة ضغوط ترامب وتوترات الخليج، تملك مسقط ورقة ذهبية لا تمتلكها الرياض ولا أبوظبي: أنها الجهة الوحيدة التي يثق بها الجميع.
التحدي الفعلي أمام هيثم بن طارق ليس الضغط الأمريكي، بل إدارة الاقتصاد المتعثر والتحولات الاجتماعية الداخلية - وهو ما قد يُقيّد قدرة عُمان على الاضطلاع بدورها الإقليمي في المستقبل.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت
