يُركّز حلف الناتو انتباهه الاستراتيجي التقليدي عادةً شرقاً نحو روسيا وحدودها المباشرة، وجنوباً نحو بؤر التوتر المتفجرة في الشرق الأوسط. لكن في مراكز التحليل الاستراتيجي ببروكسل وواشنطن، بدأ ملف آخر يكسب اهتماماً متزايداً وملحوظاً خلال السنوات الأخيرة: الجزائر. ليس لأن هذه الدولة عدو مباشر أو معلن بأي شكل، بل لأنها جارة جنوبية مسلحة بكثافة بأسلحة روسية متطورة، تقع في منطقة إقليمية مضطربة تشهد اشتعالاً متكرراً، وتنسج علاقات دبلوماسية وعسكرية تتزايد تعقيداً مع أطراف دولية متعددة ومتنافسة أحياناً.
الميزانية الدفاعية 2025
في الجيش الجزائري
ذو مصدر روسي
حدود مع دول الساحل
حجم القوة الجزائرية: الأرقام التي تُثير القلق
تُنفق الجزائر ما يقارب 6.1% من ناتجها المحلي الإجمالي على القطاع الدفاعي وحده، وهي واحدة من أعلى النسب المسجلة في القارة الأفريقية بأكملها دون منازع تقريباً. نمت الميزانية الدفاعية الجزائرية بنسبة تصل إلى 40% خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2025 وحدها، وهي وتيرة نمو استثنائية تتجاوز بكثير معدلات النمو الاقتصادي العام للبلاد. هذا النمط لا يعكس جيشاً دفاعياً بحتاً يُحافظ فقط على قدراته القائمة، بل جيشاً يتوسع فعلياً ويتمدد بشكل ممنهج ومستمر في قدراته الهجومية والدفاعية معاً.
الرقم الأكثر دلالة يبقى مخزون يقارب 2,000 دبابة قتال رئيسية، من بينها دبابات T-90SA من أحدث الإصدارات الروسية المتاحة للتصدير. يُضاف إلى ذلك أسطول يضم نحو 400 مقاتلة جوية، من بينها طائرات Su-30MKA القادرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى تتجاوز الحدود الوطنية، إضافة إلى 200 طائرة هليكوبتر متنوعة الاستخدامات. تُكمّل هذه الترسانة منظومات صاروخية S-300PMU2 المتقدمة، القادرة على تغطية مساحة جوية ضخمة تمتد لتشمل جزءاً واسعاً من الجناح الجنوبي الأوروبي بأكمله.
الترسانة الروسية: القوة والضعف في آنٍ واحد
ما يُقلق حلف الناتو بشكل خاص ومحدد هو حقيقة أن السلاح الجزائري بأكمله يبقى مُتوافقاً تشغيلياً بعمق مع كامل المنظومة العسكرية الروسية. يعني ذلك عملياً أن أنظمة الاتصال والتشفير ومعالجة البيانات العسكرية الحساسة تشترك فيها روسيا بشكل مباشر أو غير مباشر مع الجزائر. في أي سيناريو تصعيد افتراضي مع حلف الناتو، يمكن نظرياً وتقنياً لموسكو الوصول إلى معلومات حساسة حول المنظومة العسكرية الجزائرية عبر هذا الترابط التقني العميق والممتد لعقود.
لكن هذا الاعتماد التقني العميق على موسكو يُشكّل في الوقت ذاته أكبر نقطة ضعف استراتيجية تواجهها الجزائر: فقطع الغيار والصيانة المتقدمة والتحديثات التقنية الدورية، كل ذلك يمر حصرياً عبر القنوات الروسية الرسمية. وبعد اندلاع حرب أوكرانيا وما تبعها من عقوبات غربية شاملة، أصبحت الصيانة الروسية المقدَّمة للجزائر أكثر كلفة وأبطأ وتيرة بشكل ملحوظ. تعاني بعض مقاتلات الجزائر بالفعل من مشكلات حقيقية في معدلات الجاهزية القتالية نتيجة مباشرة لهذا التأخر المتراكم في الصيانة والدعم اللوجستي الروسي.
نقطة القلق الأولى: البحر المتوسط الجنوبي
«البحر المتوسط ليس بحيرة للناتو - يوجد على ضفته الجنوبية جيوش تتسلح بسرعة تُقلقنا.» مسؤول دفاعي في الناتو لصحيفة Le Monde، 2025
تمتلك الجزائر أسطولاً بحرياً متنامياً باستمرار ومتزايد التطور التقني: غواصات كيلو الروسية المتقدمة والهادئة نسبياً في التشغيل، وفرقاطات كورفيت حديثة، إضافة إلى صواريخ متطورة مضادة للسفن قادرة على ضرب أهداف بحرية بدقة عالية من مسافات بعيدة. في البحر الأبيض المتوسط تحديداً، أي منظومة عسكرية قادرة على تهديد خطوط الإمداد البحرية الأوروبية الحيوية ستُدرجها أجهزة التخطيط الدفاعي لحلف الناتو ضمن حساباتها الاستراتيجية بجدية. غواصات الكيلو الجزائرية على وجه الخصوص قادرة على الإبحار بشكل خفي وصعب الرصد في مياه البحر المتوسط، ما يمنحها قدرة نظرية على تهديد حركة الملاحة التجارية والعسكرية في هذا الممر الحيوي.
نقطة القلق الثانية: تأثير الساحل
تشارك الجزائر حدوداً برية طويلة جداً تمتد لآلاف الكيلومترات مع مالي والنيجر وليبيا وموريتانيا - وكل هذه الدول تعيش حالة عدم استقرار سياسي وأمني حاد ومستمر منذ سنوات. يدير الجيش الجزائري ملف منطقة الساحل بطريقته الخاصة والمستقلة نسبياً، أحياناً عبر تنسيق ضمني وغير معلن مع روسيا في ملفات مثل وجود مجموعة فاغنر السابقة في مالي، وأحياناً أخرى بشكل أحادي تماماً يخدم مصالحه الأمنية المباشرة فقط.
ما يُزعج حلف الناتو بشكل خاص هو أنه في حين انسحبت دول أوروبية كبرى مثل فرنسا بشكل شبه كامل من مالي والنيجر عقب الانقلابات العسكرية المتتالية، حافظت الجزائر على نفوذها الإقليمي وعلاقاتها مع الحكومات العسكرية الجديدة هناك. هذا الواقع يعني عملياً أن موسكو، عبر الوساطة الجزائرية غير المباشرة وشبكة علاقاتها الإقليمية، تملك موطئ قدم استراتيجياً في ما يُعتبر تقليدياً باحة أوروبا الخلفية المباشرة في شمال أفريقيا والساحل.
السيناريو المخيف: ماذا لو اندلع نزاع؟
لا يعتقد أي محلل جدي داخل حلف الناتو أن الجزائر تُخطط فعلياً لأي حرب مباشرة ضد أوروبا في المدى المنظور. لكن التخطيط العسكري الاستراتيجي الجاد لا يعتمد على تقدير النوايا المعلنة أو المفترضة - بل على تقييم دقيق وواقعي للقدرات الفعلية المتاحة. وقدرات الجزائر العسكرية تبقى في تزايد مستمر وملحوظ عاماً بعد عام، ما يفرض على المخططين الأوروبيين إدراجها ضمن سيناريوهاتهم الاحترازية.
يبقى السيناريو الأكثر إثارة للقلق الاستراتيجي الحقيقي هو تصعيد محتمل في ملف الصحراء الغربية بين المغرب، الشريك الأوروبي التقليدي، والجزائر. إسبانيا تبقى ملزمة سياسياً بدعم الموقف المغربي بموجب تفاهماتها واتفاقياتها الثنائية الأخيرة. في المقابل، قد ترد الجزائر بتهديد ممرات إمداد الغاز الحيوية لأوروبا أو بتحريك ورقة الهجرة غير النظامية عبر حدودها الطويلة. لا حلف الناتو ولا الاتحاد الأوروبي يبدوان مستعدين فعلياً لمواجهة تداعيات مثل هذا السيناريو المعقد إذا ما تحقق فعلياً.
| القدرة | الوضع الراهن | مستوى القلق |
|---|---|---|
| الصواريخ المضادة للسفن | متقدمة (Kh-35, P-800) | 🔴 عالٍ |
| الغواصات (كيلو) | 4 وحدات فاعلة | 🔴 عالٍ |
| منظومة S-300 | نشطة ومُحدَّثة | 🟡 متوسط |
| المسيّرات | شاهد إيرانية + طلبيات تركية | 🟡 متوسط |
| التنسيق مع روسيا | تشغيلي غير مُعلَن | 🔴 عالٍ |
| ورقة الغاز لأوروبا | مؤثرة جداً | 🟡 متوسط |
الجزائر ليست عدواً للناتو - لكنها باتت متغيراً لا يمكن تجاهله في المعادلة الأمنية للبحر المتوسط.
ما يُقلق الناتو: ليس الجزائر في حد ذاتها، بل الجزائر كـ«قناة» محتملة للنفوذ الروسي في الجناح الجنوبي الأوروبي.
الحل المُفضَّل لدى بروكسل: تعميق الشراكة مع الجزائر لإبعادها عن الفلك الروسي - وهو مسار يبدو بطيئاً في ظل التوترات الراهنة.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت


