وقّعت إسرائيل معاهدة سلام رسمية مع مصر منذ عام 1979، وهي أطول معاهدة سلام مستقرة بين إسرائيل وأي دولة عربية حتى اليوم. لكن استقرار السلام الدبلوماسي على الورق لا يعني بأي حال غياب الحسابات الاستراتيجية الدقيقة والمستمرة خلف الكواليس. ومع التحديث العسكري المصري الكبير والمتسارع في السنوات الأخيرة، يزداد اهتمام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشكل ملحوظ بمتابعة تفاصيل هذا التحديث في الجارة الجنوبية، رغم غياب أي مؤشرات على نية عدائية فعلية من القاهرة.
السياق: لماذا يتصاعد القلق الإسرائيلي من مصر الآن؟
ثلاثة تطورات رفعت مستوى الانتباه الإسرائيلي تجاه مصر:
- صفقة الرافال: 24 مقاتلة رافال فرنسية وصلت مصر، إلى جانب Su-35 روسية في الأفق. تنوع الجو المصري لم يكن بهذا المستوى منذ عقود.
- FREMM الإيطاليتين: فرقاطتا رعد وقاهر الإيطاليتان من فئة FREMM تحوّلتا لعبة ميزان القوى البحرية في البحر المتوسط.
- التوتر حول سد النهضة: مصر أشارت مراراً لأنها ستستخدم كل الخيارات - بما فيها العسكرية - لحماية حصتها المائية. وإثيوبيا على الجانب الإفريقي الآخر.
التحديث العسكري المصري: ما الذي تغيّر؟
منذ 2015، ضخّت مصر كميات غير مسبوقة من الاستثمارات العسكرية:
سلاح الجو: التنويع الاستراتيجي
تُعدّ مصر الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك في وقت واحد مقاتلات أمريكية من طراز F-16، وفرنسية من طراز رافال، وروسية من طراز MiG-29M/M2 - وهو تنويع استثنائي وغير مسبوق في مصادر التسليح لا تملكه أي قوة جوية أخرى على هذا المستوى. هذا التنويع الاستراتيجي المتعمَّد يمنح القاهرة ميزة حيوية: أي حظر أو عقوبات سياسية محتملة من طرف واحد على نوع معين من السلاح لن يكون قادراً على تعطيل سلاح الجو المصري بالكامل، على عكس دول تعتمد على مصدر تسليح وحيد وتصبح رهينة له سياسياً.
البحرية: القفزة الكبرى
باتت مصر تمتلك اليوم أضخم بحرية عسكرية في القارة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط مجتمعتين، بترسانة تضم حاملة مروحيات Mistral الفرنسية الضخمة، وفرقاطتي FREMM الإيطاليتين المتطورتين، وغواصتين ألمانيتين من طراز Type-209/1400، وكورفيتات من طراز MEKO A-100. هذه الترقية البحرية الشاملة والمتسارعة تُغير فعلياً معادلة موازين القوى التقليدية في البحر الأبيض المتوسط الشرقي، منطقة حساسة استراتيجياً تتقاطع فيها مصالح عدة قوى إقليمية ودولية.
منظومات الدفاع الجوي: الثغرة المتراجعة
وقّعت مصر على صفقة للحصول على منظومة بيتشورا 2M الروسية المطوّرة لتعزيز دفاعها الجوي متوسط المدى، فيما تستمر مفاوضات جارية ومتقدمة نسبياً للحصول على منظومة باتريوت PAC-3 الأمريكية الأكثر تطوراً. هذا يعني أن القدرة الدفاعية الجوية المصرية، التي كانت تاريخياً نقطة ضعف نسبية مقارنة بجيرانها، ترتفع تدريجياً وبشكل ملموس، ما يُضيّق تدريجياً هامش التفوق الجوي المطلق الذي اعتادت إسرائيل التمتع به في المنطقة.
نقاط الاحتكاك الحقيقية بين مصر وإسرائيل
غزة: تلعب مصر دوراً محورياً كوسيط رئيسي في الأزمات المتكررة، لكنها تُعاني في الوقت ذاته من ضغوط داخلية وعربية متصاعدة لدعم الفلسطينيين بشكل أكثر وضوحاً، ما يضعها أحياناً في موقف حساس بين التزاماتها الدبلوماسية مع إسرائيل ومطالب الرأي العام المحلي. ملف حدود رفح تحديداً يبقى شائكاً وحساساً للغاية بسبب تداعياته الأمنية والإنسانية المباشرة. سيناء: التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب يبقى جيداً وفعالاً بشكل عام بين الجانبين، لكن توترات محدودة برزت أحياناً حول حجم ونوعية انتشار القوات المصرية في مناطق محددة من شبه الجزيرة، وهي مناطق منزوعة السلاح جزئياً بموجب معاهدة السلام. الغاز: يستمر التعاون المصري-الإسرائيلي المهم في مجال الطاقة عبر خط EastMed وصفقات تصدير الغاز، لكن أي توتر سياسي مفاجئ بين الجانبين قد يُعرّض هذا التعاون الاقتصادي الحيوي للخطر المباشر.
السلام الهش: ماذا لو تغيّر النظام المصري؟
«السلام المصري الإسرائيلي مبني على علاقة بين حكومتين - ليس بين شعبين.» رأي متكرر في مراكز الأبحاث الإسرائيلية
تُلخّص هذه الجملة القلق الاستراتيجي الحقيقي والعميق داخل مراكز التفكير الإسرائيلية: فالسلام المستقر ظاهرياً مرتبط في جوهره بشخصية الحاكم المصري وتوجهاته السياسية أكثر من ارتباطه بإرادة شعبية راسخة وعميقة. وفي مصر التي شهدت ثورة شعبية كبرى عام 2011 ثم انقلاباً عسكرياً عام 2013 خلال عقد واحد فقط، لا يرى المحللون الإسرائيليون أي ضمانة أبدية أو مطلقة لاستمرار هذا الاستقرار السياسي على المدى البعيد، ما يجعل التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد تجاه مصر محفوفاً بعدم اليقين البنيوي.
السيناريوهات: ما المُقلق فعلاً؟
لا تتوقع إسرائيل حالياً أي هجوم مصري وشيك أو مباشر في المدى القريب، والعلاقات الرسمية بين الجانبين تبقى مستقرة نسبياً. لكن القلق الاستراتيجي الحقيقي يكمن في السيناريوهات البعيدة والأقل احتمالاً: سقوط النظام المصري الحالي وتولّي جهة ذات توجه أيديولوجي مختلف جذرياً السلطة، أو ضغوط شعبية متصاعدة تدفع القاهرة لإعادة النظر الجدي في التزامات معاهدة كامب ديفيد التاريخية. في مثل هذا السيناريو الافتراضي، سيواجه الجيش الإسرائيلي جيشاً ضخماً ومجهزاً بعتاد حديث ومتنوع المصادر على حدوده الجنوبية المفتوحة تاريخياً وغير المحصنة بعمق كبير.
لهذا السبب بالتحديد يبقى الشرط الإسرائيلي الثابت والمتكرر في كل معاهدة أو اتفاقية إقليمية دون استثناء: الحفاظ على التفوق النوعي المطلق على كل الجيران دون استثناء. فمهما اشترت مصر من عتاد متطور ومتنوع المصادر، يبقى الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي الثابت أن تحافظ تل أبيب على تفوقها النوعي الحاسم، عبر تكنولوجيا أكثر تقدماً وتدريب أعمق وتكامل عملياتي أفضل بين أفرع الجيش المختلفة.
مصر ليست تهديداً عاجلاً لإسرائيل - لكنها التهديد الأكثر بنيوية على المدى البعيد إذا تغيّرت المعطيات السياسية.
إسرائيل تُحافظ على تفوق نوعي كبير: F-35 وأنظمة Arrow وتفوق في الحرب الإلكترونية وسلاح جوي في الجيل الخامس. المسافة لا تزال كبيرة. لكن التحديث المصري يُضيّقها.
لماذا تُراقب إسرائيل بعض الجيوش العربية عن كثب؟
إسرائيل ترصد كل تحرك
← اقرأ المقال
مصر ضد إسرائيل: الميزان العسكري في شمال شرق أفر…
الميزان المصري الإسرائيلي
← اقرأ المقالأخطر منظومات الدفاع الجوي في الشرق الأوسط
الدفاع الجوي في المنطقة
← اقرأ المقال
أقوى 10 جيوش عربية في 2026
ترتيب القوة العسكرية العربية
← اقرأ المقال📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت