لم تُشفَ جروح البلقان. ثلاثة عقود بعد حروب التسعينيات، تبقى المنطقة ساحة نفوذ متنازعاً عليها بين الغرب وروسيا وتركيا والصين - مع حكومات تتأرجح بين الوعود الأوروبية والإغراءات البديلة، وتوترات محلية لا تزال قابلة للاشتعال في أي لحظة.
١ الوعد الأوروبي المُعلَّق
منذ اتفاقية ثيسالونيكي 2003، وعد الاتحاد الأوروبي كل دول غرب البلقان بالعضوية. بعد عشرين عاماً، لم تنضم أي منها بعد كرواتيا (2013، آخر دولة انضمت من المنطقة). هذا التأخير الطويل أنتج إحباطاً عميقاً وأفسح المجال لقوى أخرى. جزء من التأخير مصدره أوروبي داخلي بحت: مقدونيا الشمالية غيّرت اسمها رسمياً عام 2018 بموجب اتفاقية بريسبا مع اليونان لحل نزاع تسمية استمر عقوداً - خطوة مكّنتها من الانضمام للناتو 2020، لكن مسارها الأوروبي تعثّر لاحقاً بنزاع ثنائي جديد مع بلغاريا حول قضايا لغوية وتاريخية، ما يُظهر أن "إرهاق التوسع" داخل الاتحاد نفسه عائق لا يقل أهمية عن عدم جاهزية المرشحين.
٢ روسيا: ورقة الأرثوذكسية والسلافية
موسكو تمتلك نفوذاً تاريخياً وثقافياً عميقاً في صربيا وجمهورية صربسكا (الكيان الصربي داخل البوسنة). بعد 2022، تستخدم روسيا هذا النفوذ لعرقلة مسار التوسع الأوروبي وزرع التوتر في المنطقة. حادثة بانيسكا في شمال كوسوفو عام 2023 - اشتباك مسلح بين مسلحين صرب وشرطة كوسوفو خلّف قتلى من الجانبين - ذكّرت بمدى هشاشة الاستقرار الظاهري في المنطقة، وأثارت اتهامات غربية لبلغراد بالتورط غير المباشر رغم نفيها الرسمي.
٣ تركيا والصين: منافسون صامتون
تركيا تستثمر في البنية التحتية والرابطة الثقافية مع مسلمي البوسنة وكوسوفو وألبانيا، مستفيدة من إرث عثماني تاريخي عميق في المنطقة. الصين تموّل مشاريع الطاقة والطرق عبر مبادرة الحزام والطريق، خاصة في صربيا التي أصبحت من أوثق شركاء بكين الأوروبيين. كلاهما يُقدّم بديلاً للمسار الأوروبي البطيء - وألبانيا وحدها، من بين دول المنطقة، تُحرز تقدماً أوروبياً أسرع نسبياً مقارنة بجيرانها.
البلقان اختبار لمصداقية الاتحاد الأوروبي. إذا فشل في ضم المنطقة بعد عقود من الوعود، سيترك فراغاً تملأه روسيا وتركيا والصين - وهذا الفراغ سيكون على حدود الاتحاد الأوروبي مباشرة، لا في منطقة نفوذ بعيدة يمكن تجاهلها استراتيجياً.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
