عندما أعلن شي جين بينغ عن مبادرة الحزام والطريق عام 2013 في خطاب بجامعة كازاخستان، كانت الكلمات تنبض بطاقة لا مثيل لها. خطة لربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والأنابيب والكابلات الرقمية، تبنى في ضوئها اقتصادات الجنوب العالمي وتُفتح أمام التجارة الصينية الأسواق التي ظلت مغلقة. أكثر من مئة وسبعين دولة وقّعت مذكرات تفاهم مع بكين. المشروع وصف بأنه أكبر مبادرة بنية تحتية في التاريخ. لكن اليوم، بعد أكثر من عقد، تتصاعد التساؤلات: هل الحزام والطريق ينجز وعوده، أم أنه يتعثر في جملة من التحديات البنيوية التي كانت كامنة فيه منذ البداية؟
01المشاريع العالقة والديون المتراكمة
القائمة طويلة من المشاريع التي تعثرت أو تأخرت أو أفضت إلى أزمات ديون. في باكستان، تراكمت ديون ضخمة على الخزينة من مشاريع الممر الاقتصادي CPEC، وبات إعادة التفاوض على شروطها مسألة أمن قومي. في إثيوبيا، الديون الصينية وصلت إلى مستويات تستدعي إعادة هيكلة. في زامبيا، المطار الجديد الذي موّله قرض صيني أصبح ورقة ضغط في مفاوضات الديون. في السريلانكا، الأزمة المالية الهائلة التي وصفها كثيرون جزئياً بفخ الديون الصيني أفضت إلى اضطرابات سياسية غير مسبوقة.
02التحدي الجيوسياسي: الغرب يقاوم
بعد سنوات من التفرج القلق، تحرّك الغرب لتقديم بديل. مبادرة "بناء عالم أفضل" من مجموعة السبع، ومبادرة "البوابة العالمية" الأوروبية، كلها محاولات لتقديم بنية تحتية تنموية بشروط أفضل. هذه المبادرات تشترط معايير الحوكمة والشفافية والاستدامة البيئية، مما يجعلها في نظر بعض الدول النامية أكثر تعقيداً وأبطأ من العروض الصينية، لكن ربما أقل خطورة على المدى البعيد.
03التحولات الداخلية في الاقتصاد الصيني
عاملٌ آخر أقل ظهوراً لكنه بالغ الأهمية: التباطؤ الاقتصادي الصيني الداخلي. أزمة قطاع العقارات الممثّل في انهيار شركة إيفرغراند وما أعقبها، وتراجع معدلات النمو عن مستوياتها التاريخية، وارتفاع الديون العامة، كلها ضغوط تُقيّد قدرة بكين على ضخ موارد ضخمة في مشاريع خارجية لا تضمن عائداتها على المدى القريب.
04إعادة التحديد: من التوسع إلى الانتقائية
ما يحدث الآن هو في الواقع إعادة معايرة للمبادرة لا إلغاؤها. بكين تعود إلى التركيز على المشاريع ذات العائد الاقتصادي الأوضح والأقل ارتباطاً بالعقبات السياسية المحلية في الدول المضيفة. الحزام والطريق لم يمت، لكنه تقلّص من مشروع حضاري شامل إلى أداة استراتيجية أكثر انتقائية وأقل ضجيجاً.
05الخاتمة: درس في محدودية الأدوات
ما يكشفه عقد من تجارب مبادرة الحزام والطريق هو حدود ما يمكن للمال وحده تحقيقه على الصعيد الجيوسياسي. الدول النامية التي استقبلت الاستثمارات الصينية بحرارة تتعلم التفريق بين الحاجة إلى التمويل والقبول بالتبعية. وهذا التمييز، حين ينضج في أذهان صانعي القرار الأفارقة والآسيويين واللاتينيين، هو ما سيحدد مستقبل المبادرة أكثر من أي قرار يُتخذ في بكين.
استراتيجية "الطوق الفولاذي": كيف تحاصر بكين تايوان تدري…
من الطوق الاقتصادي إلى التطبيع العسكري — بكين تُعيد رسم الواقع الاستراتيجي …
← اقرأ المقالهل ما تزال أوروبا قادرة على أن تكون قوة مستقلة بين واشن…
بين الاعتماد الأمني الأمريكي والاعتماد الاقتصادي الصيني — سؤال السيادة الاس…
← اقرأ المقالكيف تنقل الحروب الحديثة مركز القوة من الجيوش التقليدية …
من الخندق إلى الخوارزمية — ثورة الطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والذكاء…
← اقرأ المقالعودة الإمبراطوريات: لماذا تسعى الصين وتركيا وروسيا لإعا…
الذاكرة الإمبراطورية كوقود سياسي — ثلاث قوى تستعيد أحلام عظمة مضت لإعادة تع…
← اقرأ المقال