في مطلع أبريل 2026، جلس مسؤولون في وزارة الإسكان الصينية أمام خريطة تُظهر 50 مدينة موزّعة على أرجاء الصين. في كل منها مئات الآلاف من الشقق مكتملة البناء، نظيفة الجدران، جاهزة للسكن — لكن لا أحد يشتريها. مجموع هذا المخزون يُقدَّر بما يكفي لإسكان أكثر من مئة مليون شخص. الحزمة التي أُعلن عنها بقيمة 300 مليار يوان تستهدف مساعدة الحكومات المحلية على شراء هذه الوحدات وتحويلها إلى إسكان اجتماعي. القرار سهل إعلانه — التنفيذ هو التحدي.
كيف بنت الصين أزمتها العقارية بنفسها؟
المعادلة بسيطة في جوهرها: عقود من النمو الاقتصادي المتسارع دفعت الملايين للهجرة من الريف إلى المدن. الطلب على الإسكان الحضري كان حقيقياً وضخماً. لكن المطوّرين العقاريين — مدفوعين بائتمان بنكي سخي وتوقعات نمو لا محدود — بنوا أكثر بكثير مما يمتصّه الطلب. المدن الثانوية والثالثية (التي لا يعرف الغرب أسماءها رغم أن كلاً منها تضم مليوني إلى خمسة ملايين ساكن) كُمِلت فيها مشاريع ضخمة لم تُباع أو سكنتها نسبة ضئيلة من قدرتها.
إيفرغراند كانت الوجه المرئي للأزمة. لكن المشكلة الجوهرية أوسع: نموذج تمويل تقليدي اعتمد على دفعات مُقدَّمة من المشترين قبل اكتمال البناء، ثم بات المشترون يتجنّبون الدفع المُسبَّق بعد أن رأوا مطوّرين يُفشلون في إكمال مشاريعهم. الثقة انكسرت.
300 مليار يوان: كيف يعمل هذا الحل؟
الحزمة تعمل عبر آلية غير مباشرة: تُضخّ الأموال في البنوك الحكومية التي تُقرضها للحكومات المحلية التي بدورها تشتري الوحدات العقارية غير المباعة من المطوّرين بأسعار مخفّضة. الوحدات المُشتراة تُحوَّل إلى وحدات إسكان اجتماعي للأسر المنخفضة الدخل بإيجارات مدعومة.
65٪ من مدخرات الأسر الصينية في العقارات: لماذا هذا خطر بنيوي؟
حين يقول الاقتصاديون أن الثروة الأسرية الصينية متركّزة في العقارات، يعنون أن الطبقة الوسطى الصينية الصاعدة وضعت مدخراتها حصرياً تقريباً في شكل واحد من الأصول. هذا التركّز كان مقبولاً حين كانت أسعار العقار ترتفع باستمرار — لكنه يُصبح هشاشة بنيوية حين تتراجع هذه الأسعار.
📊 تحليل — مقارنة توزيع الثروة الأسرية
في الولايات المتحدة: حوالي 30٪ ثروة أسرية في العقارات. في أوروبا: بين 40-50٪. في الصين: 65-70٪. هذا الفارق يعني أن تراجع أسعار العقار في الصين يضرب الثروة الأسرية الكلية بشكل أعمق بكثير مما تُحدثه الأزمة العقارية في السياقات الغربية. المستهلك الصيني يشعر فعلياً بأنه أفقر حين ينظر إلى قيمة شقته.
حين تُعاني العقارات الصينية يشعر العالم
تشترط أزمة العقارات الصينية آثاراً عابرة للحدود عبر مسارَين: أولاً المواد الخام — الصين تستهلك قرابة 55٪ من إنتاج الفولاذ العالمي، وتراجع البناء يُقلّص هذا الطلب مباشرةً مما أضر بأستراليا والبرازيل والمغرب كمصدّرة للمواد الخام. ثانياً الطلب على الكماليات والاستهلاك — ضعف ثقة المستهلك الصيني يُقلّص إنفاقه على السيارات الأوروبية والحقائب الفاخرة والسياحة الدولية.
⚠️ ملاحظة استراتيجية
الحزمة الحكومية قد تمنع الانهيار الحاد لكنها لا تُعيد سوق العقارات إلى ما كان عليه في عقد 2010-2020. ذلك العقد كان استثنائياً بفعل التحضّر المتسارع الذي استنفد طاقته إلى حدٍّ بعيد. السؤال الصحيح ليس «متى تعود الأسواق العقارية للارتفاع» بل «ما الصناعات البديلة التي ستُعوّض الصين عن خسارة الدافع التنموي الذي كان العقار يُوفّره؟»
هل تنجح حزمة الـ300 مليار يوان؟
امتصاص المخزون في المدن المستهدفة
الحزمة تُقلّص المخزون في 30 من الـ50 مدينة المستهدفة. الأسعار تتوقف عن التراجع. السوق يدخل مرحلة استقرار هشّ لا نمواً.
الحكومات المحلية تواجه عقبات
الحكومات المحلية المُثقَلة بالديون لا تستطيع امتصاص الوحدات بالوتيرة المطلوبة. التمويل يتقطّر ببطء. السوق يستمر في التراجع بوتيرة أبطأ لكن دون توقف.
المشتري الخاص لا يعود
حتى إذا نجحت الحكومة في امتصاص المخزون القائم، المطوّرون الخاصون لا يجدون مشترين لمشاريع جديدة. قطاع البناء يُصاب بركود مديد يُثقل النمو لسنوات.
الصين ستنجو من الأزمة العقارية — لكنها ستخرج منها اقتصاداً أكثر اعتماداً على الصناعة التحويلية والصادرات التكنولوجية وأقل اعتماداً على الاستهلاك الداخلي والبناء. هذا ليس بالضرورة سيئاً على المدى البعيد، لكنه مؤلم في المرحلة الانتقالية.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت