منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، تسير الصين على حبل دقيق: تُعلن الحياد وتحترم سيادة أوكرانيا من جهة، وترفض العقوبات الغربية على روسيا وتواصل تبادلها التجاري معها من جهة أخرى. هذا ليس تناقضاً، بل سياسة مدروسة تخدم مصالح بكين الاستراتيجية على عدة محاور.
المصالح الاقتصادية: الرابح الأكبر
منذ العقوبات الغربية، أصبحت الصين المشتري الرئيسي للنفط الروسي المخفَّض السعر. في 2025، استوردت الصين ما يزيد على 2.4 مليون برميل يومياً من روسيا بأسعار تقل 15-20٪ عن أسعار السوق. هذا يوفر على الصين عشرات المليارات سنوياً ويُعزز احتياطياتها الاستراتيجية من الطاقة. في المقابل، صادرات السلع الصينية لروسيا ارتفعت بنسبة 40٪ لتملأ الفراغ الذي تركته الشركات الغربية.
الاتحاد الاقتصادي الضمني بين موسكو وبكين يبدو رابحاً للطرفين في الأمد القصير. لكن بكين تعي أن هذا الاعتماد الروسي المتزايد عليها يُقوّي أوراقها في أي تفاوض مستقبلي مع موسكو.
الموقف الأيديولوجي: رفض الأحادية الغربية
الصين وروسيا تتشاركان رؤية جيوسياسية جوهرية: رفض النظام الدولي أحادي القطب الذي يضع أمريكا في مركزه. إعلان الشراكة «بلا حدود» في فبراير 2022 لم يكن مجرد بيان دبلوماسي، بل تعبير عن رغبة مشتركة في إعادة رسم قواعد النظام الدولي. الصين ترفض ما تصفه بـ«الهيمنة الغربية» على المؤسسات الدولية، وتجد في روسيا شريكاً يشاطرها هذا الموقف.
هذا لا يعني تحالفاً أيديولوجياً حميماً. التاريخ بين البلدين معقد ومثقل بالمنافسة على آسيا الوسطى وعلى الزعامة الشيوعية في القرن الماضي. لكنه يعني أن كلا البلدين يرى في الآخر درعاً مناسباً في مواجهة الضغط الغربي.
حدود الدعم: ما الذي لن تفعله الصين؟
الدعم الصيني لروسيا ليس مطلقاً. بكين لم تُرسل أسلحة فتاكة لموسكو رغم الضغط الروسي، ولم تعترف بضم المناطق الأوكرانية، ولم تُساعد روسيا على تجاوز العقوبات المالية بشكل مباشر. الخطوط الحمراء الصينية تحكمها مصلحة واحدة: عدم تعريض العلاقات الاقتصادية مع الغرب للخطر. أوروبا وأمريكا ما زالتا أكبر أسواق صادرات الصين وأهم مصادر التكنولوجيا والاستثمار.
الصين تحسب: دعم روسيا بشكل منفتح سيعني عقوبات غربية على شركاتها، وهذا ثمن تجاري أعلى بكثير مما تكسبه من روسيا. لذا تبقى في المنطقة الرمادية: لا دعم عسكري صريح، لكن تجارة واسعة وغطاء دبلوماسي دائم.
الدعم الصيني لروسيا هو تحالف براغماتي تحكمه المصلحة لا الصداقة. بكين تريد روسيا ضعيفة ومُعتمدة عليها، لا قوية ومستقلة. وهي تريد أن تستمر الحرب الأوكرانية في استنزاف الغرب دون أن تدفع هي ثمن الانحياز المباشر.
المحور الصيني-الروسي: تحالف أم انتهازية مشتركة؟
التحالف الانتهازي
← اقرأ المقالروسيا ضد الناتو: من الأقوى في 2026؟
الميزان العسكري الروسي
← اقرأ المقالاستراتيجية الصين خلال ثلاث سنوات: الطريق إلى ال…
الحسابات الاستراتيجية لبكين
← اقرأ المقالمنغوليا بين روسيا والصين: فن الحياد المستحيل
الممر الشمالي المهمل
← اقرأ المقال📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت