لم يشهد العالم منذ نهاية الحرب الباردة هذا الكم الكبير من النزاعات المتزامنة والمتشابكة التي تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى بشكل مباشر أو غير مباشر في آن واحد. يُقدّم عام 2026 خمسة ملفات ساخنة ومتباينة في طبيعتها الجغرافية والسياسية والإنسانية، لكنها تشترك جميعاً في قدرتها الفعلية على زعزعة استقرار مناطق بأكملها وإعادة رسم موازين القوى الإقليمية والدولية لسنوات قادمة.
١. السودان: الحرب المنسية
منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، تخوض قوات الدعم السريع والجيش السوداني النظامي حرباً طاحنة ومدمرة أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين والمقاتلين، وهجّرت قسراً أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان وخارجه، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم حالياً. يتابع الغرب هذا الصراع من بعيد نسبياً ودون انخراط دبلوماسي حاسم، فيما تبقى الدول الإقليمية منقسمة بشدة في دعمها لطرفي النزاع وفق حساباتها الخاصة. لم يجذب هذا الصراع الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي الدولي الكافي رغم كونه فعلياً من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة في العالم من حيث حجم النزوح والمعاناة البشرية.
٢. اليمن: الحرب التي لا تنتهي
بعد ما يقارب عشر سنوات كاملة من الحرب المستمرة، لا يزال الحوثيون يسيطرون بإحكام على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من الشمال اليمني، ولا تزال هجماتهم المتكررة على حركة الملاحة في البحر الأحمر تُعطّل بشكل ملموس سلاسل التجارة البحرية العالمية وترفع تكاليف الشحن الدولي. خفّفت المفاوضات السعودية-الإيرانية غير المباشرة بعض حدة المواجهات العسكرية المباشرة على الأرض، لكنها لم تُفلح حتى الآن في إيقاف الحرب أو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة ودائمة.
٣. غزة: الشرق الأوسط يعيد تموضعه
أعاد النزاع المستمر في غزة منذ أكتوبر 2023 رسم معادلات إقليمية كاملة كانت تبدو راسخة نسبياً قبل اندلاعه. باتت الحدود المتوترة بين إسرائيل ولبنان، والتصعيد المتكرر مع إيران عبر جبهات متعددة، ومستقبل السلطة الفلسطينية الغامض وسط انقسام داخلي مستمر - كل هذه الملفات المتشابكة معلّقة اليوم في انتظار تسوية شاملة غير مرئية الملامح بعد، وسط غياب أي مسار دبلوماسي واضح يحظى بتوافق دولي وإقليمي كافٍ.
٤. أوكرانيا: حرب الاستنزاف
دخلت الحرب الأوكرانية عامها الرابع على التوالي دون أي أفق تسوية سياسية واضح المعالم في المدى المنظور. باتت خطوط المواجهة العسكرية شبه ثابتة نسبياً على طول الجبهة الممتدة، فيما يواجه الدعم الغربي المستمر لكييف ضغوطاً سياسية داخلية متصاعدة في كل من واشنطن وعدة عواصم أوروبية رئيسية، مدفوعة بإرهاق شعبي متزايد من كلفة الحرب. تُراهن موسكو استراتيجياً على امتلاكها صبراً استراتيجياً أطول أمداً من الغرب، معتمدة على قدرتها على تحمل استنزاف طويل الأمد بموارد داخلية أكبر نسبياً.
٥. مضيق تايوان: التوتر الأشد خطورة
تصاعدت المناورات العسكرية الصينية حول تايوان بشكل ملحوظ في وتيرتها وحجمها وقربها من المجال الجوي والبحري التايواني خلال العامين الأخيرين. لم تتخلَّ بكين رسمياً عن خيار استخدام القوة العسكرية لتحقيق "إعادة التوحيد" في أي وقت تراه مناسباً، فيما تُوسّع واشنطن باستمرار مبيعاتها العسكرية المتقدمة لتايبيه في محاولة لردع أي مغامرة عسكرية صينية. يبقى الخطأ في الحسابات الاستراتيجية - لا القرار المتعمد والمخطط له مسبقاً - السيناريو الأكثر احتمالاً لإشعال أزمة قد تتجاوز حدود المنطقة بأسرها لتتحول إلى مواجهة دولية واسعة النطاق.
النزاعات الخمسة تُشكّل معاً ضغطاً متراكماً على نظام العلاقات الدولية. خطر 2026 لا يكمن في نزاع واحد بعينه بل في تزامن عدة أزمات تستنزف إمكانات الوساطة والتدخل الدولي في الوقت ذاته.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت