حين جرى الاحتفاء بصفقة «رافال» بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة عام 2021، بدا المشهد، في ظاهره، أقرب إلى قصة نجاح صناعي ودبلوماسي فرنسي منه إلى نقطة تحوّل جيواستراتيجية في الخليج. جرى التركيز على قيمة العقد، وعدد الطائرات، ومغزى اختيار أبوظبي للمقاتلة الفرنسية، بينما بقيت في الظلّ جوانب أكثر حساسية وأبعد أثرًا من مجرد شراء منصات جوية متقدمة. غير أن التطورات اللاحقة، وخصوصًا إطلاق مشروع التطوير المشترك للذخيرة الجوالة R2-120 Raijin في أبوظبي، تكشف أن صفقة «رافال» لم تكن مجرد صفقة طائرات، بل مدخلًا لإعادة بناء جزء من القاعدة الصناعية العسكرية الإماراتية على نحو يرفع سقف الاستقلال العملياتي، ويفتح الباب أمام توطين قدرة هجومية ذات بعد إقليمي واضح.
"المال، والتحالف مع الغرب، والتكنولوجيا القابلة للتكاثر السريع، يمكن أن تعوّض محدودية العمق الجغرافي والديموغرافي، وأن توفّر للإمارات فرصة لمراكمة نفوذ عسكري وأمني يتجاوز بكثير حدودها الطبيعية." قراءة في فلسفة بناء القوة الإماراتية المعاصرة - 2026
فحين يُعلن عن مشروع مرتبط بالتزامات صفقة «رافال» يسمح بتطوير وإنتاج ذخائر جوالة في الإمارات، وبمعدلات قد تصل إلى «عدة آلاف من الوحدات سنويًا»، فإن المسألة تتجاوز الصناعة العسكرية بوصفها نشاطًا اقتصاديًا أو أداة ردع دفاعي محدود. نحن هنا أمام مسعى لبناء ذراع هجومية محلية الإنتاج، تسمح لدولة صغيرة، غنية، وعالية الطموح، بأن تتصرف في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب كما لو كانت تملك احتياطيًا مفتوحًا من أدوات الضرب المرن والمنخفض البصمة. من هذه الزاوية، لا يُقرأ مشروع Raijin بصفته فرعًا من صفقة «رافال» فحسب، بل بوصفه نافذة على مشروع استراتيجي أوسع: تحويل الدولة من مستورد متقدم للسلاح إلى منتج محلي جزئي لأدوات هجومية ملائمة لحروب القرن الحادي والعشرين.
١ ما وراء «رافال»… الصفقة التي تخفي صفقة أكبر
في العادة، تستهلك صفقات التسليح الكبرى في الشرق الأوسط ضمن سرديتين متوازيتين: الأولى تجارية، تتعلق بعقود المليارات وإنعاش الصناعات الدفاعية الأوروبية أو الأمريكية؛ والثانية سياسية، ترتبط بالتحالفات ورسائل التموضع بين العواصم. لكن هذه القراءة، على أهميتها، تصبح ناقصة حين تتضمن الصفقة أبعادًا تتعلق بنقل المعرفة، وتوطين التصنيع، وبناء بنية مؤسساتية وإنتاجية داخل الدولة المستوردة نفسها.
هذا هو جوهر ما حدث في العلاقة الدفاعية بين باريس وأبوظبي. فالمعلومات المنشورة حول المشروع تظهر أن إطلاق التطوير المشترك للذخيرة الجوالة R2-120 Raijin في أبوظبي ليس مبادرة منفصلة تمامًا عن صفقة «رافال»، بل جزء من الالتزامات الصناعية الفرنسية المرافقة للعقد التاريخي مع الإمارات. وبحسب ما نُشر، فإن MBDA وFly-R تعملان على تطوير المنظومة داخل الإمارات، ضمن مسار أوسع يهدف إلى ترسيخ بنية إنتاجية محلية في قطاع شديد الحساسية، هو قطاع الذخائر الجوالة والمنظومات الهجومية غير المأهولة.
هنا تتغير طبيعة الشراكة بالكامل. فباريس لا تبيع أبوظبي مقاتلات متقدمة فقط، بل تشارك كذلك في زرع نواة لقدرة إنتاجية عسكرية هجومية داخل الدولة الخليجية. وهذا فارق نوعي كبير: الطرف الذي يشتري منصة مغلقة، مشروطًا في استخدامها وصيانتها وتحديثها بإرادة المورد الخارجي، لا يشبه الطرف الذي يحصل، ولو جزئيًا، على عناصر من سلسلة القيمة والمعرفة والإنتاج. الإمارات تدرك هذا الفارق جيدًا، ولهذا لا تكتفي منذ سنوات بشراء السلاح، بل تعمل على هندسة نمط من «الاستقلال المشروط» يخفف من تبعيتها، ويمنحها هامش حركة أكبر في التوقيت والتكييف والاستخدام.
لا يعني ذلك أن الإمارات تتجه إلى فكّ ارتباط بنيوي مع الغرب في المجال العسكري. فالمشروع ما يزال فرنسي الأصل من حيث المعرفة، أوروبي الإطار من حيث التكنولوجيا والمؤسسات، وغربي الارتباط من حيث البيئة السياسية الحاضنة. لكن بين التبعية الكاملة والسيادة الكاملة توجد منطقة واسعة من المناورة، ويبدو أن أبوظبي تبني نفسها فيها بدقة: لا تريد الانفصال عن الغرب، بل تريد أن تقلل كلفة الاعتماد عليه، وأن تتحول من زبون دائم إلى شريك مُنتِج نسبيًا.
٢ لماذا الذخائر الجوالة؟ ولماذا الآن؟
إذا كانت أبوظبي قررت الاستثمار في توطين فئة بعينها من الأسلحة، فليس عبثًا أن تكون هذه الفئة هي الذخائر الجوالة. فهذا النوع من السلاح أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أكثر أدوات الحرب المعاصرة فاعلية وجاذبية، لأنه يجمع بين خصائص الطائرة المسيّرة الصغيرة والذخيرة الدقيقة في آن واحد. تستطيع هذه المنظومات التحليق فوق ساحة القتال، والبحث عن الهدف، ومراقبته، ثم الانقضاض عليه في اللحظة المناسبة، وهو ما يجعلها وسطًا بين الاستطلاع المسلح والضربة الدقيقة الفورية.
⚙️ R2-120 RAIJIN - المواصفات المعلنة
FLY-R × MBDAالمعطيات المنشورة حول R2-120 Raijin تشير إلى تصميم معيني قابل للطي داخل أنبوب إطلاق، وإلى مرونة في التشغيل تسمح باستخدامه من قبل المشاة أو من على العربات أو المنصات البحرية والجوية الخفيفة. كما تفيد بعض التقارير بأن المنظومة توفر زمن مكوث يصل إلى نحو 60 دقيقة، ومدى عمليًا في حدود 50 كيلومترًا، مع سرعة هجوم مرتفعة نسبيًا، ما يجعلها مناسبة للبيئات الساحلية والصحراوية، وللعمليات التي تستهدف أهدافًا متحركة أو مواقع حساسة في نطاقات تكتيكية ومتوسطة.
لكن الأهمية الحقيقية ليست في المواصفات فقط. فهذه الذخائر تمثل، من الناحية العقائدية، سلاح الدولة التي تريد أن تضرب بكثرة، وبدقة، ومن دون أن تزج بطائرات مأهولة أو تتكبد أكلافًا باهظة. وهي ملائمة تحديدًا للدول التي تخوض أو تستعد لخوض بيئات صراع هجينة، حيث تختلط التهديدات البحرية بالبرية، ويتقاطع الفاعلون النظاميون مع الفاعلين غير الدولتيين، وتصبح الحاجة إلى أدوات مرنة وسريعة وقابلة للإكثار الكمي أكثر إلحاحًا من الحاجة إلى المنصات الضخمة وحدها.
من هذه الزاوية، يبدو قرار الإمارات منطقيًا تمامًا. فالدولة التي راكمت حضورًا في الموانئ، والممرات البحرية، والبيئات الصحراوية والساحلية، وتعيش في جوار تتنامى فيه تهديدات المسيّرات والصواريخ، ترى في الذخائر الجوالة أداة تجمع بين الدفاع غير المباشر، والردع، وإمكانية التدخل المحدود، وتسمح في الوقت نفسه بتخفيف الكلفة السياسية المرتبطة بالمخاطرة بالطيارين أو بالتصعيد التقليدي المكشوف.
٣ «عدة آلاف سنويًا»… عندما تكشف الأرقام العقيدة
ليس سهلًا المرور سريعًا على التقديرات التي تتحدث عن إمكان إنتاج «عدة آلاف» من هذه الذخائر سنويًا في الإمارات. فالأرقام في الصناعات الدفاعية ليست حيادية. عندما تُصمم قدرة إنتاجية بهذا المستوى، فهذا يعني أن السلاح المقصود ليس مخصصًا لوحدات نخبوية محدودة أو لعمليات رمزية متباعدة، بل لعقيدة استخدام تقوم على الكثافة، والتكرار، والقدرة على التعويض السريع، وربما على التوزيع على أكثر من مسرح عملياتي في الوقت نفسه.
هذا الرقم يحمل دلالة سياسية بقدر ما يحمل دلالة عسكرية. الدول لا تبني خطوط إنتاج بهذا الحجم لمجرد حماية مجالها المباشر، بل لأنها ترى أن هذا السلاح سيكون جزءًا ثابتًا من طريقة إدارتها للقوة. والذخائر الجوالة، بخلاف كثير من المنصات الثقيلة، تسمح فعلًا بتصورات استخدام واسعة، من حماية المنشآت، إلى دعم الوحدات البرية، إلى العمل الساحلي، إلى الضغط على الخصوم عبر ضربات منخفضة البصمة ومتكررة.
🌐 من «الدفاع الوطني» إلى «النفوذ التشغيلي»
في الحالة الإماراتية، تكتسب هذه العقيدة بعدًا إضافيًا. فأبوظبي ليست دولة تنظر إلى أمنها عبر حدودها الإقليمية الضيقة فقط، بل عبر شبكات أوسع تمتد إلى البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والموانئ، وخطوط التجارة، وشراكات الأمن البحري. لذلك فإن بناء قدرة إنتاجية كثيفة في مجال الذخائر الجوالة يوحي بأن المخططين يفكرون بمنطق يتجاوز «الدفاع الوطني» إلى «النفوذ التشغيلي»: أي امتلاك أداة يمكن استخدامها لحماية المصالح خارج الحدود بمرونة لا توفرها الأدوات التقليدية بالسهولة نفسها.
هنا تحديدًا يخرج المشروع من خانة الاستثمار العسكري العادي ويدخل في خانة هندسة النفوذ. فالسلاح ليس فقط ما يُدافع به عن الدولة، بل أيضًا ما يُعاد عبره تعريف مكانة الدولة في الإقليم، وقدرتها على فرض إيقاعها، وردع خصومها، وتوسيع خياراتها بأقل كلفة ممكنة.
٤ الاقتصاد السياسي للتوطين العسكري
يُسوَّق هذا النوع من المشاريع عادة تحت عناوين وطنية براقة: «التوطين»، «بناء القدرات»، «نقل التكنولوجيا»، و«تعزيز السيادة الدفاعية». وكل هذه العناوين صحيحة جزئيًا في الحالة الإماراتية، لأن المعطيات المنشورة تؤكد وجود مسار لبناء مركز هندسي ومؤسساتي مرتبط بـMBDA في أبوظبي، ودمج الإمارات في تطوير وإنتاج المنظومة بدل الاكتفاء باستهلاكها. لكن هذا الوصف يظل ناقصًا إذا أغفل أن التوطين هنا ليس سياسة تصنيع فحسب، بل سياسة قوة.
ففي الحالة الإماراتية، يخدم التوطين العسكري ثلاث غايات متشابكة. الأولى، تقليل الارتهان التام للمورد الخارجي في أوقات الأزمات أو الخلافات السياسية. الثانية، رفع القيمة التفاوضية مع الشركاء الغربيين، بحيث لا تعود أبوظبي مجرد مشترٍ، بل شريكًا يملك جزءًا من القدرة الفنية والمؤسساتية. والثالثة، بناء صورة دولية وداخلية لدولة حديثة لا تكتفي بتوظيف ثروتها في الاستهلاك، بل تحوّلها إلى قاعدة صناعية وأمنية متقدمة.
لكن هذا التوطين يظل، في الوقت نفسه، توطينًا موجهًا بالتحالف. فهو لا يقوم على فكّ الارتباط بالغرب، بل على تعميق الشراكة معه على نحو يرفع استقلالية الإمارات التشغيلية تدريجيًا. وهذه مفارقة شديدة الأهمية: فالدولة التي تبني «قدرتها الوطنية» في هذا المجال لا تفعل ذلك خارج المظلة الغربية، بل من داخلها، وبموافقتها، بل وبمشاركتها النشطة. وهذا يمنح المشروع بعدًا سياسيًا مضاعفًا: إنه ليس فقط قرارًا إماراتيًا، بل أيضًا قرار غربي، فرنسي بالدرجة الأولى، بالاستثمار في صعود هذه القدرة.
٥ الدولة الصغيرة التي تريد أن تتصرف كدولة أكبر
يصعب فهم المسار الإماراتي من دون وضعه في إطاره البنيوي. فالإمارات دولة صغيرة جغرافيًا، محدودة العمق السكاني، عالية الاعتماد على الخارج في جوانب ديموغرافية ولوجستية ومالية، لكنها تملك ثروة ضخمة، وإدارة مركزية فعالة، وشبكة تحالفات وثيقة، وطموحًا سياسيًا يفوق حجمها الطبيعي بكثير. هذا المزيج هو ما جعلها، خلال العقدين الأخيرين، تسلك مسارًا يختلف عن مسارات كثير من دول الخليج الأخرى: الانتقال من منطق «الدولة الغنية المحمية» إلى منطق «الدولة الغنية الفاعلة أمنيًا».
في هذا النموذج، لا يكفي شراء السلاح الثقيل بوصفه مظلة ردع. المطلوب هو أدوات تجعل الدولة الصغيرة قادرة على التصرف كما لو أنها أكبر من مساحتها وعدد سكانها. المسيّرات والذخائر الجوالة تفعل ذلك تمامًا. فهي تعطي للدولة قدرة على توسيع أثرها العملياتي، والانتشار في مسارح متعددة، وفرض كلفة على الخصوم، والعمل في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلم، من دون الحاجة إلى تعبئة بشرية كبيرة أو انخراط بري واسع.
بعبارة أخرى، هذا النوع من السلاح يشكل مضاعف قوة مثالي للدول الصغيرة الطامحة. فكل ذخيرة جوالة إضافية هي قدرة إضافية على المراقبة، والضغط، والاستنزاف، والضرب، بتكلفة أقل كثيرًا من تكلفة توسيع الأساطيل الجوية المأهولة أو بناء جيوش كبيرة. ومن هنا فإن مشروع Raijin لا ينبغي أن يُقرأ كمنتج جديد في ترسانة الإمارات، بل كأداة مناسبة تمامًا لشكل الدولة التي تريدها أبوظبي لنفسها: دولة صغيرة من حيث الجغرافيا، كبيرة من حيث القدرة على التأثير.
٦ هل تبني أبوظبي «إمبراطورية خفيفة»؟
وصف المشروع الإماراتي بأنه محاولة لبناء «إمبراطورية» قد يبدو، للوهلة الأولى، مبالغًا فيه أو بلاغيًا أكثر مما ينبغي. فالإمارات لا تحتل أراضٍ على النمط الكلاسيكي، ولا تملك جيوشًا جرارة، ولا تدير فضاءً إمبراطوريًا متصلًا كما فعلت القوى التاريخية الكبرى. ومع ذلك، فإن مفهوم «الإمبراطورية الخفيفة» يظل مفيدًا لفهم طبيعة ما تسعى إليه أبوظبي.
«الإمبراطورية الخفيفة ليست إمبراطورية ضمّ مباشر، بل شبكة نفوذ موزعة: موانئ، استثمارات، قواعد، ترتيبات أمنية، تدخلات منخفضة الكثافة، تأثير إعلامي، وشراكات عسكرية تجعل الدولة الصغيرة حاضرة في فضاءات أبعد بكثير من حدودها المباشرة.»
في هذا النموذج، لا تكون الحاجة إلى كتلة بشرية ضخمة أو إلى احتلال معلن بقدر الحاجة إلى أدوات تسمح بالتحرك السريع، والضغط، والردع، وفرض الكلفة، وإظهار الحضور. ولهذا السبب بالذات تبدو الذخائر الجوالة سلاحًا نموذجيًا لهذه الإمبراطورية الخفيفة. فهي ليست سلاحًا «ثقيلًا» بالمعنى الذي يفرض إعلان حرب شاملة، وليست أداة هامشية فاقدة الأثر. إنها متوسطة الكلفة، عالية المرونة، منخفضة البصمة، قابلة للتكاثر، ويمكن استخدامها في المسافة الفاصلة بين الردع والضربة، وبين الإيذاء المحدود وإعادة رسم ميزان القوى في بقعة موضعية.
⚠️ معضلة التمدد خارج المقاس
كلما توسعت «الإمبراطورية الخفيفة» خارج مقاس الدولة، ازدادت نقاط احتكاكها، واتسعت خريطة خصومها، وتضاعفت حاجتها إلى أدوات أمنية إضافية. التقنية قد تساعد على إدارة هذا التوسع لفترة، لكنها لا تلغي حقيقة أن التمدد خارج الحجم الطبيعي يحمل دائمًا عنصرًا من عناصر الاستنزاف المؤجل.
٧ روما كحلم… وسبارطة كإنذار
من السهل، بل من المغري، تشبيه الطموح الإماراتي بنزعة «رومانية» حديثة: بلد صغير يريد أن يبني حول نفسه شبكة موانئ، وتحالفات، وحضور اقتصادي وأمني، ويستند إلى أدوات قوة متقدمة ليُعيد تعريف مكانته في محيطه. غير أن هذا التشبيه يبقى مجازيًا لا أكثر. فروما لم تكن مجرد قوة عسكرية، بل حضارة سياسية وقانونية وإدارية متكاملة، امتلكت قدرة هائلة على الدمج والإدارة وإعادة إنتاج الشرعية عبر قرون. أما الإمارات، مهما بلغ طموحها، فتتحرك ضمن شروط مختلفة تمامًا: وفرة مالية، مظلة غربية، إدارة عالية الكفاءة، وتكنولوجيا هجومية متقدمة، لكن من دون ذلك العمق التاريخي أو البشري أو الجغرافي الذي يتيح المقارنة الحرفية.
- شبكة موانئ وتحالفات وحضور اقتصادي–أمني واسع
- أدوات قوة متقدمة تعيد تعريف المكانة الإقليمية
- طموح بناء نفوذ يتجاوز حجم الدولة الطبيعي
- تشبيه مجازي لا يحمل العمق الحضاري والمؤسسي الروماني
- دولة صغيرة شديدة العسكرة، صاغت هويتها على القوة والانضباط
- قاعدة اجتماعية ضيقة وجمود مؤسسي بنيوي
- اعتماد مفرط على العسكرة كتعويض عن نقص آخر
- لم تستطع تحويل التفوق العسكري إلى هيمنة مستقرة طويلة الأمد
إذا كان لا بد من استعارة تاريخية أكثر دقة، فإن سبارطة توفر قدرًا أكبر من الفائدة التحذيرية. والتحذير هنا لا يقوم على القول إن الإمارات ستسقط كما سقطت سبارطة، بل على تذكير بسيط: الإفراط في التعويل على الأدوات العسكرية والتقنية لا يعوّض تلقائيًا هشاشة العمق الديموغرافي والجغرافي. قد يتيح هذا التعويل نجاحات ملموسة، وقد يمنح قدرة على الردع والتدخل، لكنه قد ينتج في الوقت نفسه وهم القوة المستدامة، أي الاعتقاد بأن امتلاك الوسائل يعني امتلاك الشروط البنيوية نفسها التي تجعل النفوذ طويل العمر ممكنًا.
٨ الخليج المشبع بالمسيّرات… إضافة وقود إلى سباق التسلح
أحد أخطر أبعاد المشروع أنه لا يتطور في بيئة فارغة، بل في إقليم بات أصلًا شديد التشبع بالمسيّرات والذخائر غير المأهولة. إيران راكمت خلال سنوات قدرات ملحوظة في هذا المجال، وقد أظهرت الحوادث الأخيرة أن التهديد المسيّر لم يعد افتراضيًا بالنسبة للإمارات نفسها. تركيا رسخت حضورها الصناعي والعسكري عبر مسيّراتها. إسرائيل حاضرة منذ زمن طويل في هذا القطاع. والصين بدورها توفر خيارات أرخص وأقل خضوعًا للقيود السياسية الغربية.
في مثل هذا السياق، فإن توطين خط إنتاج واسع للذخائر الجوالة في الإمارات لا يضيف «مجرد قدرة دفاعية وطنية»، بل يضيف عنصرًا جديدًا إلى سباق تسلح إقليمي يتسم أصلًا بانخفاض عتبة الاستخدام وسرعة الانتشار وارتفاع خطر الضربات الرمادية. والذخائر الجوالة، على وجه الخصوص، تجعل قرار الضرب أسهل سياسيًا وعسكريًا، لأنها أقل كلفة، وأقل انكشافًا، وأيسر تعويضًا من المنصات التقليدية.
ثم إن المعضلة لا تتوقف عند الاستخدام المباشر من قبل الإمارات. فكلما ترسخت صناعة محلية في هذا القطاع، زادت احتمالات انتقال التكنولوجيا، أو تكييفها، أو إعادة تخصيصها ضمن شبكات الشركاء، سواء على مستوى الدول أو الفاعلين المحسوبين على ترتيبات أمنية إقليمية غير مباشرة. وحتى مع وجود قيود قانونية وسياسية، فإن تجربة أسواق السلاح تُظهر أن الضبط يصبح أكثر صعوبة عندما تنتقل الدولة من مجرد الاستيراد إلى امتلاك بنية إنتاجية وتطويرية محلية. هكذا يصبح المشروع جزءًا من مفارقة أوسع: السلاح الذي يُراد به حماية الدولة الصغيرة قد يسهم، في الوقت نفسه، في توسيع البيئة التي تجعل هذه الدولة أكثر عرضة للتهديد، لأن خصومها سيتعلمون الدرس نفسه.
٩ فرنسا… شريك استراتيجي أم مهندس لاختلال جديد؟
من الناحية الفرنسية، يبدو المشروع نجاحًا يكاد يكون مثاليًا. فهو يرسخ حضور باريس في واحدة من أهم أسواق السلاح والنفوذ في الخليج، ويمنح شركة مثل MBDA موطئ قدم مؤسسيًا متقدمًا في الإمارات، ويؤكد أن فرنسا ليست مجرد مزود للمقاتلات، بل شريك في بناء قدرات صناعية وهجومية متقدمة. كما يسمح لها بمنافسة قوى أخرى في سوق الأنظمة غير المأهولة، وهي سوق تشهد تسارعًا عالميًا كبيرًا.
لكن الجيوسياسة لا تُقاس فقط بلغة العقود. فحين تنخرط دولة أوروبية كبرى في نقل المعرفة، وبناء البنية الصناعية، وتمكين شريك إقليمي نشط من إنتاج ذخائر هجومية بكثافة، فإنها لا تعود مجرد بائع محايد. إنها تسهم فعليًا في إعادة تشكيل ميزان القوة، وفي تمكين نمط معين من السلوك الإقليمي. المرجح أن باريس تراهن على أن تعميق الشراكة سيمنحها نفوذًا على أبوظبي، وأن تمكين الشريك محليًا سيجعل فرنسا جزءًا من معادلة أمنه على المدى الطويل. لكن لهذا الرهان وجهًا آخر: الدولة التي تُمنح قدرة إنتاجية محلية متقدمة قد تصبح، مع الوقت، أقل اعتمادًا وأكثر استقلالية في القرار، بل وأكثر استعدادًا لاستخدام هذه القدرات في سياقات لا تنسجم تمامًا مع أولويات المورد الأصلي. والتجربة التاريخية تقول إن الضوابط السياسية والقانونية تكون فعالة في المراحل الأولى، لكنها تميل إلى التآكل عندما تتجذر الصناعة، وتتوسع شبكات المصالح، وتصبح البنية المنتجة جزءًا من المشروع الوطني للدولة الشريكة.
١٠ الأمن المشروع أم وهم القوة؟
سيكون من السهل، وربما من الضروري، الاعتراف بأن لأبوظبي دوافع أمنية فعلية. فهي تقع في منطقة مضطربة، وتعرضت منشآتها ومحيطها لتهديدات مرتبطة بالمسيّرات والصواريخ، كما أن موقعها كمركز مالي ولوجستي عالمي يجعل هشاشتها المحتملة عالية أمام أي استهداف منخفض الكلفة نسبيًا. من هذا المنظور، يبدو تطوير قدرات هجومية ودفاعية متقدمة أمرًا مفهومًا بل متوقعًا.
لكن الاعتراف بوجود تهديدات لا يعني التسليم بأن كل توسع في بناء القوة يظل ضمن حدود الأمن المشروع. فهناك فرق أساسي بين بناء قدرة ردعية متوازنة لحماية المجال الوطني، وبين تحويل التكنولوجيا العسكرية إلى أداة لإعادة تعريف الدور الإقليمي على نحو قد يتجاوز مقاس الدولة. هذا هو الخط الفاصل بين الأمن المشروع ووهم القوة.
⚠️ «فخ القوة المصغرة»
وهم القوة لا يعني أن الأداة غير فعالة. على العكس، قد تكون فعالة جدًا. لكنه يعني أن النجاح التقني أو التكتيكي يُساء تفسيره سياسيًا، فيُنظر إليه بوصفه تعويضًا كافيًا عن نقص العمق السكاني والجغرافي، أو بوصفه ترخيصًا مفتوحًا للتمدد والمغامرة. وهنا بالذات يقع ما يمكن تسميته «فخ القوة المصغرة»: أن تمتلك الدولة الصغيرة أدوات متفوقة، فتتصرف كما لو أنها تملك أيضًا شروط الهيمنة المستدامة، بينما هي في الواقع لا تزال محكومة بقيودها البنيوية نفسها، مهما طال أمد التفوق التقني.
إن مشروع التطوير المشترك للذخيرة الجوالة R2-120 Raijin في أبوظبي لا يكشف فقط عن تطور في الصناعات الدفاعية الإماراتية، بل عن تصور أوسع لطبيعة القوة نفسها في القرن الحادي والعشرين. فالإمارات تراهن، بوضوح، على أن المال، والتحالف مع الغرب، والتفوق في الأنظمة غير المأهولة، يمكن أن تصنع لها دورًا يفوق حجمها الطبيعي، وأن يتيح لها التحرك بوصفها عقدة نفوذ أمني وسياسي ولوجستي في الإقليم.
هذا الرهان قد ينجح مرحليًا، وقد يمنحها مكاسب ردعية وعملياتية معتبرة، وربما يكرسها، أكثر من أي وقت مضى، بوصفها شريكًا لا يمكن تجاهله في معادلات الخليج والبحر الأحمر وما بينهما. لكنه يظل محفوفًا بمفارقة مركزية: كلما نجحت الدولة الصغيرة في تضخيم أدواتها، ازدادت احتمالات أن تختبر حدود هذا التضخيم في بيئة ممتلئة بالخصوم والتقنيات المعاكسة ومساحات الرد الرمادي.
من هنا، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت أبوظبي ستتمكن من إنتاج آلاف الذخائر الجوالة سنويًا، بل ما إذا كانت تعرف أين ينتهي الأمن المشروع ويبدأ وهم التمدد فوق المقاس. فبين إغراء روما وتحذير سبارطة، تبقى الحقيقة الجيوسياسية الأكثر صرامة أن القوة المستدامة لا تُبنى بعدد المسيّرات وحده، بل بقدرة الدولة على المواءمة بين طموحها وحدودها، وبين سلاحها وبنيتها، وبين النفوذ الذي تسعى إليه والكلفة التي تستطيع تحمّلها حين يبدأ الارتداد.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت