لم يكن التحدي الأكبر للاتحاد الأوروبي خارجياً - لا روسيا ولا الصين ولا الأزمات الاقتصادية. التحدي الأعمق ينبع من داخل المجتمعات الأوروبية: صعود موجة قومية وشعبوية تُشكّك في المشروع الأوروبي الليبرالي الذي بُني بعناية على مدى عقود، وتُعيد رسم خريطة السلطة في عدة عواصم أوروبية كبرى في آن واحد.
١ الخريطة القومية الجديدة لأوروبا
في انتخابات البرلمان الأوروبي يونيو 2024، حققت الأحزاب القومية اليمينية مكاسب قياسية. في فرنسا، حل التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا في المرتبة الأولى بفارق واسع عن حزب الرئيس ماكرون، ما دفعه لحل الجمعية الوطنية والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة صدم بها المشهد السياسي الفرنسي بأكمله. في ألمانيا، صعد حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) للمرتبة الثانية وطنياً. في إيطاليا، جورجيا ميلوني في الحكم منذ 2022. في هنغاريا، أوربان يُحكم قبضته. وفي هولندا، حزب الحرية بقيادة خيرت فيلدرز فاز بأكبر عدد مقاعد في انتخابات نوفمبر 2023 - أول مرة يتصدر فيها حزب قومي صريح المشهد الهولندي.
صعود هذا التيار يُترجم بأرقام واضحة: تمثيل اليمين القومي في البرلمانات الأوروبية بلغ 35٪ عام 2024، بعد نمو بنسبة 18٪ في أصوات الأحزاب القومية خلال عقد واحد فقط. اثنتا عشرة حكومة داخل الاتحاد الأوروبي باتت اليوم بقيادة أو بمشاركة قوى يمينية قومية. ودولتان على الأقل دخلتا في مواجهة مفتوحة مع بروكسل حول قضايا سيادة القانون والهجرة، ما يضع تماسك المشروع الأوروبي نفسه على المحك.
٢ الهجرة: الوقود الأيديولوجي
4.5 مليون طلب لجوء في 2023 - رقم قياسي. معظمها من أفريقيا والشرق الأوسط. الأحزاب القومية تُحوّل هذا الرقم إلى خطاب انتخابي فعّال: "أوروبا تفقد هويتها"، "الاتحاد فشل في حماية حدودنا"، "الأمن الداخلي أولاً". الخطاب يصل إلى قطاعات واسعة تشعر بالقلق. الاتحاد الأوروبي نفسه استجاب جزئياً بإقرار "الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء" في مايو 2024 بعد سنوات من المفاوضات الشائكة - إصلاح يُشدد إجراءات الحدود الخارجية ويُوزّع طالبي اللجوء بآلية تضامن إلزامية بين الدول الأعضاء، لكنه يُعتبر من قِبل منظمات حقوقية عديدة تراجعاً عن معايير الحماية التقليدية للاجئين.
٣ هنغاريا وبولندا: نموذجان متباينان
أوربان في هنغاريا يُمثّل نموذجاً فريداً: عضو في الاتحاد الأوروبي يتلقى مليارات اليورو منه ويُناكفه في كل خطوة. تقليص استقلالية القضاء، السيطرة على الإعلام، معارضة العقوبات على روسيا - دفع الاتحاد الأوروبي لتفعيل "المادة السابعة" من معاهدة الاتحاد ضد بودابست، وهي أقصى آلية عقابية متاحة نظرياً (تُعرف بـ"الخيار النووي") رغم صعوبة تفعيلها الكاملة عملياً لأنها تتطلب إجماعاً يصعب تحقيقه. بولندا على النقيض قدّمت مساراً مختلفاً: حزب "القانون والعدالة" القومي الحاكم منذ 2015 خسر السلطة فعلياً في انتخابات أكتوبر 2023 لصالح تحالف موالٍ لأوروبا بقيادة دونالد توسك - مؤشر على أن صعود القومية الأوروبية ليس اتجاهاً حتمياً أو لا رجعة فيه في كل الحالات.
٤ ماذا يعني ذلك للمشروع الأوروبي؟
الاتحاد الأوروبي لم يُصمَّم للعمل بين حكومات تُعارض قيمه الأساسية. كلما زاد عدد الحكومات القومية، كلما ازداد صعوبة اتخاذ قرارات جماعية حول المناخ والهجرة والسياسة الخارجية. الانتخابات التشريعية الفرنسية المبكرة يوليو 2024 قدّمت درساً معاكساً مثيراً: التجمع الوطني تصدّر الجولة الأولى، لكن تحالفاً طارئاً بين اليسار والوسط في الجولة الثانية منعه من الحصول على أغلبية برلمانية فعلية - إظهار أن النظام الانتخابي بجولتين يبقى صمام أمان مؤثر، حتى لو لم يُوقف صعود القومية على المدى الأطول. المخاطر تبقى وجودية رغم هذا التباين بين حالة وأخرى.
الأزمة الداخلية للديمقراطية الأوروبية أشد خطورة من أي تهديد خارجي. مشروع أوروبي موحّد لا يمكنه الصمود طويلاً بين حكومات تتنافس على من يرفض القيم الأوروبية بصوت أعلى - لكن الأمثلة المتباينة بين هنغاريا وبولندا وفرنسا تُذكّر بأن مسار كل دولة يبقى قابلاً للتغيير في الاتجاهين، لا حتمية واحدة تحكم القارة بأسرها.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
