الأفلام ليست مجرد ترفيه عابر يُستهلك ويُنسى. في القرن الحادي والعشرين، تحوّلت الصورة المتحركة إلى سلاح جيوسياسي بامتياز، قادر على تشكيل تصورات ملايين المشاهدين حول من هو البطل ومن هو العدو، دون أن يشعروا أصلاً بأنهم يتلقون رسالة سياسية موجَّهة. من هوليوود التي تُنتج أفلام الحرب بتنسيق وثيق ومباشر مع وزارة الدفاع الأمريكية، إلى السينما الإيرانية التي تُصدّر عبر مهرجاناتها العالمية رواية "المقاومة" ضد الهيمنة الغربية، وصولاً إلى الاستثمار السعودي الهائل والمتسارع في صناعة الترفيه كجزء من إعادة تعريف صورة المملكة عالمياً - أصبح الشرق الأوسط اليوم ساحة معركة ثقافية حقيقية لا تقل أهمية عن ساحات المعارك الدبلوماسية والعسكرية التقليدية، حيث تتنافس القوى الكبرى والإقليمية على السيطرة على السردية البصرية التي يستهلكها العالم يومياً.
هوليوود والبنتاغون: الشراكة الخفية
أكثر من 800 فيلم هوليودي حصلت على دعم لوجستي مباشر من وزارة الدفاع الأمريكية - معدات عسكرية حقيقية، طائرات وسفن حربية، وموقع تصوير في قواعد فعلية - مقابل إدراج محتوى يُصوّر الجيش الأمريكي بصورة إيجابية ومحفزة على الانخراط فيه. هذه الشراكة ليست سرّاً بأي شكل من الأشكال؛ فهي موثّقة رسمياً وقانونية بالكامل بموجب اتفاقيات إنتاج معلنة بين الاستوديوهات والبنتاغون. لكنها تعني عملياً أن جمهور العالم بأسره، من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، يتلقى عبر شاشات السينما رواية أمريكية مُصنوعة بعناية فائقة عن الصراعات الكبرى، حيث يبدو التدخل العسكري الأمريكي دائماً حتمياً وأخلاقياً، بينما يُختزل الطرف الآخر غالباً إلى تهديد مجرد من أي تعقيد إنساني أو سياقي حقيقي.
السعودية: من الحظر إلى الاستثمار الضخم
في عام 2018، رُفع الحظر رسمياً عن دور السينما في المملكة العربية السعودية بعد 35 عاماً كاملة من الإغلاق التام، في واحدة من أكثر التحولات الاجتماعية والثقافية دراماتيكية التي شهدتها المملكة منذ عقود. لم يقتصر الأمر على إعادة فتح الصالات المحلية، إذ بات صندوق الاستثمارات العامة السعودي يضخ مليارات الدولارات في شركات ترفيه وإنتاج سينمائي عالمية كبرى، من هوليوود إلى بوليوود. الهدف من وراء هذا الاستثمار الضخم ليس اقتصادياً بحتاً كما قد يبدو ظاهرياً، بل استراتيجية ناعمة متكاملة تهدف إلى تحويل صورة المملكة الذهنية عالمياً من دولة دينية محافظة ومنغلقة إلى وجهة ثقافية وترفيهية منفتحة وجاذبة للسياح والمستثمرين على حد سواء، في مسار يُكمّل ويُعزز أهداف رؤية 2030 الطموحة لتنويع الاقتصاد السعودي بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط.
📬 النشرة الأسبوعية
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك - مجاناً.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت
هوليوود والبنتاغون: كيف يُصنع الوعي الجماعي الأ…
هوليود والبنتاغون
← اقرأ المقالالقوة الناعمة الصينية: الاستراتيجية والأدوات وا…
القوة الناعمة الصينية
← اقرأ المقالالموجة الكورية (هاليو): غزو ثقافي ناعم يهزّ عرو…
الكيبوب والجيوسياسة
← اقرأ المقالحرب المعلومات على تيك توك: الخوارزميات سلاحاً
كيف تحوّل تيك توك من تطبيق ترفيهي إلى ساحة حرب معلومات جيوسياسية حقيقية؟
← اقرأ المقال