في ربيع 2022، لاحظ غوّاصون أوكرانيون شيئاً غريباً في المياه المحيطة بميناء سيفاستوبول: أجهزة استشعار بحرية دقيقة الصنع، مُثبَّتة في أحزمة جلدية، مُلتصقة بجلد دلافين لم تكن تبدو وحشية. كانت تُراقب. وكان الأسطول الروسي يعلم بذلك. هذه اللحظة — التي مزجت بين الذكاء الحيواني الطبيعي وأكثر النزاعات الحديثة تعقيداً — لم تكن استثناءً بل كانت نقطة في سلسلة طويلة تمتد من معارك الحرب الباردة إلى ميادين اليوم حيث الحدود بين الطبيعة والتسليح تتلاشى.
في عام 2026، لم تعد الحرب الهجينة مجرد مزيج من الهجمات الإلكترونية والتضليل الإعلامي والعمليات النفسية. إنها تتشرب من الطبيعة نفسها، توظّف ما أبدعه التطور في ملايين السنين — الحواس الحادة، والتكيّف، والغريزة — لخدمة أهداف يصعب تحقيقها بأدوات بشرية الصنع.
تاريخ قديم بأسلحة لا تتقادم
الفكرة ليست وليدة القرن الحادي والعشرين. استخدمت الحضارات القديمة الحيوانات في الحرب منذ آلاف السنين: أفيال الحرب لدى الملك بيروس والإسكندر الأكبر، الحمام الزاجل كناقل للرسائل، الخيول الحربية كرصيد تكتيكي لا غنى عنه. لكن ما يميّز الحقبة الراهنة هو الانتقال من توظيف الحيوان كأداة ميكانيكية — يحمل، يجرّ، يُركب — إلى توظيفه كمنظومة استخباراتية وأمنية متكاملة تستثمر ما تمنحه الطبيعة: الحواس الخارقة، والسلوك التكيّفي، والتحرك غير المثير للشبهة.
في الستينيات، بدأ البرنامج الأمريكي الشهير لتدريب الدلافين والحيتان ضمن ما عُرف بـ«برنامج NMMP» التابع للبحرية الأمريكية. وعلى الجانب الآخر من الستار الحديدي، طوّر الاتحاد السوفيتي برنامجاً مماثلاً في سيفاستوبول بالقرم، يمتد حتى اليوم في ظل الإدارة الروسية. ما اكتشفه الطرفان مبكراً هو أن الدلفين يستطيع في ظلام المحيط التام، على عمق مئة متر، تحديد غواص بملامح سلوكية لا يعرفها أي رادار، وتمييز لغم بحري بدقة لا تُضاهيها حتى أكثر الأجهزة الإلكترونية تطوراً.
الدلافين المقاتلة: حيث يلتقي الذكاء الطبيعي بالاستراتيجية البحرية
التدريب الذي تخضع له الدلافين في المنشآت البحرية الروسية والأمريكية لا يُشبه العروض الترفيهية في حدائق الألعاب المائية. إنه عملية معقدة تستغرق سنوات، تُعلّم الحيوان تمييز الأجسام الغريبة تحت الماء، وتعليم موقعها لمشغّليه، وأحياناً تثبيت أجهزة تصوير أو مواد متفجرة عليها. في تقارير مسرّبة من المرحلة الأوكرانية للنزاع، تحدّث بحارة أوكرانيون عن مواجهات بحرية مع دلافين مُدرَّبة كانت تُراقب الغواصين الأوكرانيين الذين حاولوا الاقتراب من السفن الراسية في ميناء سيفاستوبول.
البعد الاستراتيجي هنا يتجاوز المفاجأة التكتيكية. الدلفين لا يُرسل إشارة رادارية، لا يستهلك طاقة كهربائية، لا يمكن تشويشه إلكترونياً. وفي ظل انتشار تقنيات الكشف عن الغواصين والمركبات المائية غير المأهولة، يُصبح الحيوان البحري «نقطة عمياء» في منظومات الكشف المعادية.
📊 تحليل — البرامج البحرية الحيوانية النشطة
تُشغّل البحرية الأمريكية حتى 2026 نحو خمسة وسبعين دلفيناً مُدرَّباً ضمن برنامج «نظام الثدييات البحرية» NMMP في كاليفورنيا وهاواي. روسيا تُشغّل مركز سيفاستوبول للدراسات البحرية الذي يضم دلافين وخراج البحر وفُقمات مُدرَّبة. الصين، وفق مصادر استخباراتية تايوانية، بدأت برنامجاً مماثلاً في مضيق تايوان منذ 2021. إيران وثّقت وسائل إعلام غربية تجارب مبكرة مع الدلافين في مياه الخليج.
الحشرات كأسلحة: الجيش الذي لا يُحصى ولا يُرى
ثمة مشروع أمريكي لوكالة «داربا» يحمل اسماً بسيطاً: «Insect Allies» — حلفاء الحشرات. المبدأ بالغ الاستفزاز: تعديل الحشرات جينياً لتحمل فيروسات تُعدّل النباتات التي تتغذى عليها، أو تنقل مُسبّبات مرض مُصمَّمة لاستهداف محاصيل بعينها. في السيناريو الأكثر تطرفاً، يُصبح حقل القمح في مناطق العدو هدفاً بيولوجياً لا يستلزم طائرة مقاتلة ولا صاروخاً.
الأمر المثير للقلق في المجتمع الأكاديمي لا يتعلق فقط بالتطبيق العسكري المباشر. علماء من جامعتَي برلين وأكسفورد نشروا عام 2023 ورقة بحثية تُحذّر من أن تقنية «EFAD» — نشر المتجهات البيئية المعدّلة جينياً — تمثّل تهديداً للأمن الغذائي العالمي لأن آثارها لا تعرف حدوداً جغرافية. الريح لا تقرأ خرائط السياسة الدولية.
المستشعرات البيولوجية: حين تتجسس الطبيعة
الاستخدام الأكثر انتشاراً — والأقل إثارة للجدل الأخلاقي — للكائنات الحية في السياق العسكري هو توظيفها كمنظومات استشعار. الفئران التي دُرِّبت على شمّ المتفجرات في مخيمات اللاجئين في موزمبيق وتنزانيا، والطيور التي تتوقف عن الغناء قبل ساعة من زلازل ثبت أن حواسها تلتقط موجات دون صوتية لا تستطيع أجهزتنا رصدها، والنحل الذي يُستخدم في إسرائيل وألمانيا لاكتشاف المبيدات والمواد الكيماوية في المحاصيل — كلها أمثلة على طيف واسع من التطبيقات تتراوح بين الإنساني والعسكري.
الخطوة التالية أكثر إثارة للقلق: زرع رقائق إلكترونية دقيقة تُسمّى «Neural Dust» في أجهزة عصبية لحيوانات تجوب بطبيعتها المناطق التي تُريد الاستخبارات مراقبتها. الجرذ في مجاري الصرف الصحي لمدينة حدودية، الطير المهاجر عبر مناطق محمية، القرش في مضيق بحري حيوي — لكل منها قيمة استخباراتية لا تستطيع طائرة مسيّرة مُقاربتها دون إثارة الريبة.
⚠️ ملاحظة استراتيجية
اتفاقية الأسلحة البيولوجية لعام 1972 تحظر تطوير الكائنات الحية كأسلحة هجومية، لكنها تمتلك ثغرة بنيوية واسعة: لا تحظر الاستخدام الدفاعي، ولا تُعرّف بدقة متى تتحوّل «الأبحاث البيولوجية» إلى «تسليح». هذه الثغرة هي التي تنشط فيها أكثر البرامج إثارةً للجدل، في ظل غياب رقابة دولية فعّالة على المختبرات ذات الاستخدام المزدوج.
أين تنتهي الأخلاق وتبدأ الاستراتيجية؟
يُفتح هذا الملف على تساؤل فلسفي عميق تجد الحكومات صعوبة بالغة في الإجابة عنه علناً: هل توظيف كائن حي — يمتلك قدراً من الإدراك والألم — في الحرب يختلف أخلاقياً عن نشر طائرة مسيّرة؟ المنظمات الحقوقية للحيوانات تقول نعم؛ الأجهزة العسكرية تتجنب السؤال.
الأكثر إلحاحاً من الجدل الأخلاقي هو السباق التكنولوجي الذي لا يرحم: حين تُدمج الصين تقنية CRISPR لتعديل الجينوم مع خبرتها في التجسس الرقمي وتُطبّقها على الكائنات الحية، وحين تستثمر الولايات المتحدة مئات الملايين في مشاريع «داربا» البيولوجية، فإن العالم يسير نحو ميدان حرب لم يُخطّط له الدبلوماسيون الذين صاغوا اتفاقيات جنيف في عالم مختلف.
الإجابة التي يحتاجها المجتمع الدولي ليست تقنية — بل هي إجابة عن نوع الحرب الذي يريد أن يُشرّعه، وما يرفض، وكيف يراقب ما يجري في مختبرات لا تزال تُقاوم أي شكل من أشكال الشفافية.
polô
تحليلات معمّقة في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية — نقرأ العالم بعيون مستقلة.