التوتر المغربي-الجزائري بلغ في السنوات الأخيرة مستويات لم تُشهد منذ عقود طويلة، وباتت لغة التصعيد الرسمي والإعلامي بين الرباط والجزائر أكثر حدّة من أي وقت مضى. الحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ عام 1994 دون أي أفق واضح لإعادة فتحها، والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة كلياً منذ أغسطس 2021، فيما يتصاعد التسليح من الجانبين بوتيرة غير مسبوقة تعكس سباق تسلح إقليمياً حقيقياً في المغرب العربي. وأمام هذا المشهد المتوتر، يطرح المحللون الاستراتيجيون سؤالاً محورياً يتجاوز حدود المنطقة: إذا اندلعت حرب فعلية بين البلدين، من سيقف إلى جانب من على الساحة الدولية، وكيف ستتوزع موازين الدعم الإقليمي والدولي؟
⚠️ السياق الراهن
الجزائر قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في أغسطس 2021، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطيران المغربي. المغرب استقبل الرئيس الأوكراني ووقّع شراكات عسكرية مع إسرائيل - خطوتان أثارتا غضباً جزائرياً عميقاً.
التوتر الراهن: ما الذي وصلنا إليه؟
يبقى ملف الصحراء الغربية جوهر التوتر ونار الفتيل الحقيقية بين الجارين. المغرب يعدّها جزءاً لا يتجزأ من سيادته الترابية، ويحظى في ذلك باعتراف أمريكي رسمي منذ 2020 خلال ولاية الرئيس ترامب الأولى، إلى جانب دعم متزايد من عدد من الدول الأوروبية. في المقابل، تدعم الجزائر جبهة البوليساريو الانفصالية بالسلاح والتمويل والأرض، وتستضيف قياداتها السياسية والعسكرية على أراضيها منذ عقود. والمفارقة اللافتة في هذا الصراع المجمّد هي أن الجيشين يتسلحان معاً بمعدلات غير مسبوقة تاريخياً، وكأن كليهما يستعد لسيناريو مواجهة مباشرة قد لا تقع أبداً، لكن استعدادها يُستنزف مليارات الدولارات من ميزانيتي البلدين كل عام.
أبرم المغرب منذ عام 2020 صفقات تسليح ضخمة تتجاوز قيمتها الإجمالية 5 مليارات دولار، شملت مسيّرات Harop الانتحارية الإسرائيلية عالية الدقة، ومقاتلات F-16 Block 72 محدّثة بأحدث أنظمة الاستشعار والتوجيه، إضافة إلى مفاوضات متقدمة للحصول على منظومة THAAD الأمريكية المضادة للصواريخ. وردّت الجزائر على هذا التصعيد بطلبيات لمقاتلات Su-57 الروسية من الجيل الخامس، وأنظمة دفاع جوي S-400 المتطورة، ومسيّرات شاهد الإيرانية الأرخص كلفة والأوسع انتشاراً، في محاولة واضحة للحفاظ على توازن ردع إقليمي يمنع أي طرف من التفوق الحاسم على الآخر.
🇲🇦 معسكر المغرب: من سيقف معه؟
إسبانيا: الشريك الاستراتيجي المُعلن
غيّرت مدريد موقفها التاريخي من قضية الصحراء الغربية عام 2022 لصالح الطرح المغربي القائم على الحكم الذاتي الموسّع، في تحول دبلوماسي كبير أنهى عقوداً من الغموض الإسباني المُتعمَّد. وقد أشعل هذا التحول أزمة دبلوماسية حادة مع الجزائر التي ردّت بتعليق اتفاقية الغاز الإسبانية-الجزائرية مؤقتاً، في خطوة عاقبت مدريد اقتصادياً على موقفها الجديد. ومع ذلك، من غير المرجح أن تشارك إسبانيا عسكرياً بشكل مباشر في أي مواجهة محتملة، لكنها ستوفر على الأرجح دعماً دبلوماسياً واستخباراتياً ومعلوماتياً مهماً للرباط باعتبارها شريكاً أوروبياً محورياً وجاراً مباشراً عبر مضيق جبل طارق.
إسرائيل: الحليف السري الأقوى
منذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، تعمّقت العلاقات المغربية-الإسرائيلية بوتيرة وعمق غير مسبوقين تاريخياً في العلاقات العربية-الإسرائيلية. تشمل هذه الشراكة برامج تجسس ومراقبة متطورة، ومنظومات رصد إلكتروني حديثة، ومسيّرات هجومية متقدمة، وتبادلاً استخباراتياً مباشراً ومستمراً بين أجهزة البلدين. وفي حال اندلاع أي مواجهة فعلية مع الجزائر، من المرجح جداً أن يوفر الجانب الإسرائيلي دعماً استخباراتياً وتقنياً نوعياً للرباط، وهو دعم قد يُعادل في قيمته الاستراتيجية أسلحة تقليدية كثيرة، نظراً لتفوق إسرائيل التاريخي في مجالات الاستطلاع والتشويش الإلكتروني والحرب السيبرانية.
الولايات المتحدة: تأييد سياسي بحذر عسكري
تعترف واشنطن رسمياً بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية منذ 2020، ولديها قواعد وبرامج تدريب عسكري مشتركة منتظمة مع الجيش المغربي أبرزها مناورات "الأسد الأفريقي" السنوية. لكن من غير المتصوَّر أن تشن الولايات المتحدة حرباً مباشرة ضد الجزائر، التي تبقى شريكاً مهماً لها في ملف مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل، إضافة إلى كونها مصدراً مهماً للغاز الطبيعي لأوروبا في مرحلة حساسة من أمنها الطاقي. لذلك سيبقى الدعم الأمريكي المتوقع دبلوماسياً واستخباراتياً بالأساس، دون انخراط عسكري مباشر يُخاطر بعلاقات واشنطن مع الجزائر.
فرنسا: التراجع عن الجزائر
بعد قطيعة دبلوماسية حادة مع الجزائر عام 2024 وتسوية تدريجية للعلاقات المتوترة سابقاً مع المغرب، أصبحت باريس أقرب إلى الرباط من أي وقت مضى في تاريخ العلاقات الثلاثية المعقّدة بين البلدين والمستعمرة السابقة. ومع ذلك، ستتجنب فرنسا على الأرجح أي تورط عسكري مباشر في نزاع إقليمي حساس، وستكتفي على الأرجح بموقف يمتنع عن دعم الجزائر في المحافل الدولية والأممية، وهو ما يُشكّل بحد ذاته دعماً دبلوماسياً غير مباشر لكنه مؤثر للرباط.
🇩🇿 معسكر الجزائر: من سيقف معها؟
روسيا: الحليف المُثقَل بأوكرانيا
يشكّل السلاح الروسي أكثر من 90% من تسليح الجيش الجزائري، وهي نسبة اعتماد استثنائية تجعل من موسكو الشريك العسكري الأول والأهم للجزائر بلا منازع. روسيا مُستعدة نظرياً لتقديم الدعم الدبلوماسي والتسليحي الكامل لحليفتها التاريخية، لكن تورطها العميق والمستمر في حرب أوكرانيا يُحدّ عملياً من قدرتها على أي انخراط عسكري فعلي إضافي في شمال أفريقيا. والخطر الأكبر الذي يواجه الجزائر في سيناريو حرب طويلة الأمد يبقى مرتبطاً بصعوبة الحصول على قطع الغيار الروسية وتعقيد عمليات الصيانة، في ظل انشغال الصناعة الدفاعية الروسية بجبهتها الأوكرانية الأولوية.
إيران: دعم تسليحي غير مباشر
سلّحت طهران الجزائر بمسيّرات شاهد الهجومية وصواريخ باليستية قصيرة المدى، ضمن علاقة تسليحية متنامية لكنها ليست تحالفاً استراتيجياً شاملاً بالمعنى الكامل، بل أقرب إلى معاملة تجارية-أيديولوجية مبنية على مصالح متبادلة ومحدودة. من غير المتوقع أن تنخرط إيران عسكرياً بشكل مباشر في أي مواجهة مغربية-جزائرية، لكنها ستستمر على الأرجح في تزويد الجزائر بالسلاح والدعم التقني عند الحاجة.
تركيا: الغائب الحاضر
تحافظ أنقرة على علاقات متوازنة مع كلا الطرفين، لكنها تبدو أقرب تجارياً للجزائر من حيث حجم المبادلات، وأكثر حذراً في تجنب أي مغامرة قد تُعرّض علاقتها الاقتصادية والعسكرية المتنامية مع المغرب للخطر. السيناريو الأرجح لموقف تركيا يبقى الحياد الاستراتيجي المدروس، مع استمرار بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لمن يدفع أكثر من الطرفين، بما يخدم مصالحها التجارية دون الانحياز الصريح لأي جانب.
| الطرف | موقف دعم المغرب | موقف دعم الجزائر |
|---|---|---|
| الولايات المتحدة | دبلوماسي، استخباراتي | محايد |
| إسرائيل | تقني، استخباراتي | معارض |
| إسبانيا | دبلوماسي | محايد |
| فرنسا | دبلوماسي (2026) | محايد لصالح المغرب |
| روسيا | محايد | تسليح، دبلوماسي |
| إيران | محايد | تسليح غير مباشر |
| الصين | محايد تجاري | محايد تجاري |
| تركيا | محايد | أقرب للجزائر تجارياً |
المواقف الغامضة: من سيُفاجئ الجميع؟
موريتانيا: تشترك في حدود طويلة وحساسة مع كل من المغرب والجزائر، وتحاول جاهدة الحفاظ على حياد دبلوماسي دقيق يُبقيها بعيدة عن أي صراع مباشر بين جارتيها الكبيرتين. لكن في حالة اندلاع حرب فعلية، قد تجد نواكشوط نفسها مضطرة لاتخاذ قرار حاسم بين تمرير الإمدادات اللوجستية لأحد الطرفين أو إغلاق حدودها بالكامل، وكلا الخيارين يحمل كلفة سياسية واقتصادية باهظة عليها.
مالي: تميل حكومتها العسكرية الحالية، المدعومة من روسيا ومجموعة فاغنر سابقاً وأفريكا كور حالياً، إلى التقارب مع الجزائر لأسباب تاريخية وأمنية مشتركة تتعلق بملف الطوارق ومكافحة الجماعات المسلحة في الساحل. لكن موقعها الجغرافي البعيد نسبياً وأوضاعها الاقتصادية الهشة يجعلان أي تدخل عسكري فعلي من جانبها أمراً بالغ الصعوبة والتكلفة.
الاتحاد الأوروبي: سيدعو على الأرجح إلى وقف فوري لإطلاق النار والتهدئة الدبلوماسية، لكنه سيواجه انقساماً داخلياً حقيقياً وصعب التجاوز: إسبانيا وفرنسا أقرب إلى الموقف المغربي سياسياً، بينما تبقى إيطاليا ودول أوروبية أخرى معتمدة بشكل كبير على واردات الغاز الجزائري، ما يُصعّب بلورة موقف أوروبي موحد وحاسم تجاه الأزمة.
سيناريو الحرب: كيف ستبدأ وكيف ستنتهي؟
يرى معظم المحللين الاستراتيجيين أن أكثر السيناريوهات احتمالاً ليس اندلاع حرب كلاسيكية شاملة بين البلدين، بل تصعيد تدريجي ومحسوب يبقى دون عتبة الحرب المفتوحة: مناوشات حدودية محدودة في مناطق الصحراء النائية، عمليات مسيّرات استطلاعية أو هجومية محدودة النطاق، حرب سيبرانية متبادلة تستهدف البنى التحتية الحيوية، ثم تدخل ضغط دولي مكثف من القوى الكبرى والمنظمات الأممية لوقف التصعيد قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة نحو حرب شاملة.
وإذا ما وصلت الأمور فعلاً إلى مواجهة عسكرية مباشرة، فإن المغرب يبدو متفوقاً تقنياً بفضل تحديث ترسانته الأخير وتنوع مصادر تسليحه، بينما تتفوق الجزائر عدداً وحجماً في القوات البشرية والعتاد التقليدي. لكن التضاريس الصحراوية القاسية والحدود البرية الطويلة الممتدة لمئات الكيلومترات، إضافة إلى تعقيدات الدعم اللوجستي في بيئة صحراوية معزولة، تُصعّب بشدة تحقيق أي طرف لنصر عسكري سريع وحاسم. النتيجة الأرجح في هذا السيناريو الافتراضي تبقى حرب استنزاف طويلة ومُكلفة اقتصادياً وبشرياً للطرفين معاً، تنتهي في نهاية المطاف بوساطة دولية تفرض هدنة أو تسوية سياسية جزئية.
يملك المغرب اليوم حلفاء أكثر تأثيراً ونفوذاً فعلياً على المسرح الدولي - واشنطن وتل أبيب وباريس حالياً - وهي شبكة دعم دبلوماسي واستخباراتي وتقني يصعب على الجزائر مجاراتها بنفس الفعالية. فالجزائر تعتمد بشكل شبه حصري على موسكو المنشغلة بالكامل بجبهتها الأوكرانية، وعلى طهران المعزولة دولياً وتحت عقوبات ثقيلة، ما يُضعف نسبياً قدرة الحلفاء التقليديين للجزائر على تقديم دعم فعّال في أزمة إقليمية طارئة.
لكن على المستوى الميداني الصرف، تبقى الجزائر أكبر عدداً بشرياً وأعمق جغرافياً بمساحتها الشاسعة، وتدافع في أي مواجهة محتملة عن ترابها الوطني مباشرة - وهذا العامل النفسي والاستراتيجي وحده كفيل بتصعيب أي نصر مغربي سريع أو حاسم، مهما بلغ التفوق التقني للرباط في بعض المنظومات المتقدمة.
التقدير: حرب شاملة غير واردة. التصعيد المحدود والمستمر هو السيناريو الأكثر احتمالاً.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت

