في فبراير 2021، أطاح الجيش البورمي بالحكومة المنتخبة بقيادة أونغ سان سو تشي في انقلاب وصفه كثيرون بالخطأ الاستراتيجي الكبير. بدلاً من إخضاع البلاد، أشعل الانقلاب حرباً أهلية شاملة لا يزال الجيش يُنزف فيها بشكل غير مسبوق في تاريخه الحديث.
١ الانقلاب الذي أفقد الجيش ميانمار
قوات الدفاع الشعبي (PDF) التي تشكّلت كرد على الانقلاب تحالفت مع جماعات عرقية مسلحة تقاتل الجيش منذ عقود طويلة سابقة على الانقلاب نفسه. عملية "1027" في أكتوبر 2023 - هجوم منسّق ضخم قادته "تحالف الأخوة الثلاثة" (جيش أراكان، وجيش تحالف ديمقراطية بورما الوطني، وجيش تحرير تاآنغ الوطني) - أفقد الجيش مدناً كاملة وحدوداً استراتيجية مع الصين. لأول مرة في تاريخ ميانمار الحديث، الجيش على المحك الوجودي فعلياً، لا مجرد مواجهة تمرد محدود كما اعتاد لعقود.
حجم الكارثة الإنسانية يتجاوز ما يصل إلى الإعلام الدولي: أكثر من 50 ألف قتيل منذ انقلاب 2021، ونحو 2 مليون نازح داخلي فرّوا من مناطق القتال. أكثر من عشرين جماعة مسلحة تنشط اليوم في الميدان، من جيوش عرقية تاريخية إلى قوات دفاع شعبي حديثة التشكيل. والمؤشر الأخطر على تآكل سلطة المجلس العسكري: 40٪ من أراضي البلاد باتت اليوم خارج سيطرة الجيش، نسبة غير مسبوقة تضع مستقبل الدولة المركزية نفسها موضع تساؤل.
٢ إرث الروهينغا: الأزمة التي سبقت الانقلاب
الأزمة الميانمارية ليست وليدة الانقلاب فقط: حملة الجيش العسكرية ضد أقلية الروهينغا المسلمة في ولاية راخين عام 2017 - التي وصفتها منظمات دولية متعددة بالتطهير العرقي وربما الإبادة الجماعية - دفعت مئات الآلاف للنزوح نحو بنغلاديش المجاورة في واحدة من أسرع أزمات اللجوء نمواً في التاريخ الحديث. المفارقة اليوم: جيش أراكان، أحد أبرز فصائل "تحالف الأخوة الثلاثة" الذي يُحرج الجيش عسكرياً الآن، يعمل في نفس ولاية راخين التي شهدت مأساة الروهينغا - تعقيد إضافي يجعل خريطة الصراع أبعد من ثنائية بسيطة "جيش ضد معارضة ديمقراطية".
٣ الصين: وسيط غير مريح
الصين تمتلك مصالح ضخمة في ميانمار - خطوط أنابيب الطاقة والموانئ والتجارة الحدودية ضمن مشاريع مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. لكن الفوضى تُهدد هذه المصالح مباشرة. بكين تنتهج مساراً مزدوجاً عملياً: دعم محدود ومتحفظ للجنتا العسكرية الحاكمة رسمياً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات اتصال مفتوحة مع الجماعات العرقية المسلحة القريبة من حدودها - خاصة تلك التي تُسيطر فعلياً على مناطق حدودية حيوية لتجارتها البرية - في مقاربة براغماتية تحوّط ضد أي نتيجة نهائية للصراع.
٤ آسيان: عجز مؤسسي
رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) أصدرت "خطة النقاط الخمس" عام 2021 - لا أثر يُذكر لتطبيقها الفعلي على الأرض حتى اليوم. مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، الركيزة التأسيسية للرابطة منذ عقود، يُشلّ المنظمة أمام انهيار دولة عضو كامل. الهند المجاورة اتخذت بدورها مقاربة أكثر حذراً وبراغماتية من الغرب، موازنةً بين حاجتها الأمنية للتنسيق الحدودي مع الجنتا ضد متمردين يعبرون الحدود، وقيمها الديمقراطية المُعلنة - تناقض لم تحسمه نيودلهي بوضوح بعد. هذا الإخفاق الجماعي يُضعف مصداقية آسيان كمنظومة إقليمية قادرة على إدارة أزماتها الداخلية.
ميانمار تسير نحو تفككها - إما انهيار الجيش وتشكيل فيدرالية عرقية جديدة كلياً، أو تجميد الصراع على خطوط تقسيم فعلية طويلة الأمد. كلا السيناريوين يُعيدان رسم الجغرافيا السياسية لجنوب شرق آسيا، ويترك ملف الروهينغا المعلَّق دون حل واضح أياً كانت النتيجة النهائية للحرب الأهلية.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
