المحيط الهندي ليس مسمّى جغرافياً عادياً - إنه تسمية سياسية. الهند تعتبره بحرها الطبيعي، لكن الصين وأمريكا وفرنسا وأستراليا وباكستان كلهم لاعبون فيه. التنافس على هذا المحيط الشاسع يُشكّل أحد أكثر الديناميكيات الجيوسياسية تعقيداً في عصرنا، وأقلها حضوراً في التغطية الإعلامية مقارنة بحجمه الاستراتيجي الفعلي.
١ لماذا المحيط الهندي بهذه الأهمية؟
ثلثا تجارة النفط العالمية و40% من التجارة الدولية الإجمالية تعبران المحيط الهندي. من خليج فارس إلى المضائق الآسيوية، كل ناقلات النفط والحاويات التجارية تقطع هذه المياه. من يُسيطر على المحيط الهندي يُمسك بأوردة الاقتصاد العالمي - حقيقة تُدركها الهند جيداً، فتستفيد استراتيجياً من موقع جزر أندامان ونيكوبار التي تُطلّ مباشرة على مدخل مضيق ملقا، ما يمنحها نظرياً القدرة على مراقبة أو حتى عرقلة أهم طريق تجاري صيني في أي مواجهة مستقبلية.
٢ "عقد اللؤلؤ" الصيني
استراتيجية صينية مُتّهمة - لم تعترف بها بكين رسمياً - تقوم على بناء منشآت موانئ في دول المحيط الهندي: غوادار (باكستان)، هامبانتوتا (سريلانكا)، كولومبو (سريلانكا)، تشيتاغونغ (بنغلاديش)، كيوكبيو (ميانمار)، جيبوتي. كل منها قد يكون قابلاً للاستخدام البحري العسكري نظرياً حتى لو ظل مدنياً تجارياً في الظاهر.
الهند ترى في "عقد اللؤلؤ" محاولة صينية لإحاطتها ببحرها الخاص. القلق حقيقي - وتجلّى عملياً عام 2022 حين مارست نيودلهي ضغطاً دبلوماسياً على سريلانكا لتأجيل رسو سفينة المراقبة الصينية "يوان وانغ 5" في ميناء هامبانتوتا، خشية استخدامها لمراقبة منشآت هندية حساسة قريبة. بعض المحللين يرون مع ذلك أن الاستخدام التجاري لا يزال هو الغالب والعسكري نظري حتى الآن في معظم هذه الموانئ.
٣ الرد الهندي-الأمريكي: QUAD وما بعده
تحالف QUAD (أمريكا، الهند، اليابان، أستراليا) يُركّز على المحيط الهندي-الهادئ. الهند تبني قدراتها البحرية بسرعة: حاملة الطائرات "فيكرانت" (INS Vikrant)، أول حاملة طائرات هندية الصنع بالكامل ودخلت الخدمة عام 2022، رمز لطموح بحري متنامٍ يتجاوز الدفاع الساحلي التقليدي نحو نشر قوة إقليمي فعلي. فرنسا وأستراليا وبريطانيا تُعزز حضورها أيضاً، فيما تبقى جزر صغيرة كسريلانكا والمالديف وسيشيل ساحة تجاذب دائمة بين نفوذ نيودلهي وبكين، إذ تشهد الانتخابات المحلية فيها أحياناً تأرجحاً واضحاً بين حكومات أقرب للهند وأخرى أقرب للصين تبعاً لنتائج كل دورة انتخابية.
المحيط الهندي سيكون ساحة المنافسة الجيوسياسية الأكثر حدة في الربع الثاني من القرن الواحد والعشرين. من يبني شبكة العلاقات والقواعد الأوسع يكسب - والسباق مفتوح بين الصين من جهة والتحالف الأمريكي-الهندي من جهة ثانية، مع دول الجزر الصغيرة كلاعبين قادرين على إمالة الكفة محلياً رغم صغر حجمها المطلق.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
