في أغسطس ٢٠١٥، فجّر تنظيم داعش معبد بعل شمين في تدمر السورية — أحد أعظم المعابد الرومانية في العالم، الذي صمد ألفي عام أمام الزلازل والعواصف والإمبراطوريات المتعاقبة. قبلها بأسابيع، كان التنظيم قد نشر فيديو يُظهر مسلحيه يحطمون تماثيل آشورية يعود عمرها إلى ثلاثة آلاف عام في متحف الموصل بالعراق بالمطارق والمثاقب الكهربائية. هذه المشاهد لم تكن أعمال تخريب عشوائية بل عمليات محسوبة بدقة تخدم أهدافاً جيوسياسية واضحة: محو الذاكرة الحضارية لشعوب بأكملها، وتأكيد سيطرة إيديولوجية على الزمان والمكان، واستفزاز العالم لجرّه إلى ردود أفعال تخدم سردية التنظيم.
لكن تدمير التراث ليس حكراً على التنظيمات المتطرفة. من قصف النازيين لمدينة كوفنتري البريطانية إلى تدمير جسر موستار في البوسنة، ومن نهب المتحف العراقي بعد الغزو الأمريكي ٢٠٠٣ إلى استهداف المواقع الأثرية في أوكرانيا — تدمير التراث هو سلاح حرب مُعتمَد تستخدمه الدول والجماعات المسلحة على حد سواء، سلاح يقتل الهوية قبل أن يقتل البشر، ويمحو المستقبل بمحو الماضي.
التراث كهدف عسكري: تاريخ طويل من الإبادة الثقافية
تدمير تراث العدو ليس ظاهرة حديثة بل ممارسة قديمة قِدم الحرب نفسها. حين دمّر الرومان قرطاج عام ١٤٦ قبل الميلاد، لم يكتفوا بقتل السكان بل أحرقوا المدينة وحرثوا أرضها ونثروا الملح عليها — ليمحوا أي أثر مادي لحضارة كانت تُنافسهم. حين اجتاح المغول بغداد عام ١٢٥٨، دمّروا بيت الحكمة ورموا مئات الآلاف من المخطوطات في نهر دجلة حتى تحوّل لون الماء إلى الأسود من الحبر — في واحدة من أعظم كوارث المعرفة في التاريخ البشري.
في القرن العشرين، تحوّل تدمير التراث من ممارسة عشوائية إلى استراتيجية عسكرية ممنهجة. النازيون أسسوا وحدة خاصة اسمها "Einsatzstab Reichsleiter Rosenberg" مهمتها نهب الأعمال الفنية والمكتبات من الدول المحتلة — سرقوا أكثر من ٥ ملايين قطعة فنية خلال الحرب العالمية الثانية. في المقابل، قصف الحلفاء مدينة دريسدن الألمانية عام ١٩٤٥ مُدمّرين واحدة من أجمل المدن التاريخية في أوروبا بما فيها كنيسة فراونكيرشه التي يعود تاريخها للقرن الثامن عشر. الهدف في كلتا الحالتين لم يكن عسكرياً بحتاً بل نفسياً: تحطيم الإرادة المعنوية للعدو بتدمير رموز هويته.
خارطة الدمار: من تدمر إلى ماري أوبول
لرسم صورة شاملة لحجم الكارثة، يجب المرور على أبرز المواقع التي دمّرتها الحروب الحديثة. تدمر السورية — "لؤلؤة الصحراء" — كانت واحدة من أعظم المدن الأثرية في العالم، تجمع بين العمارة الرومانية والشرقية في تناغم فريد. سيطر داعش على المدينة مرتين (٢٠١٥ و٢٠١٦) ودمّر معبد بعل شمين ومعبد بل وأقواس النصر والمدافن البرجية، إضافة إلى قطع رأس عالم الآثار خالد الأسعد البالغ من العمر ٨٢ عاماً وتعليق جثته على عمود روماني — في رسالة وحشية واضحة: من يحمي الماضي يُقتل مع الماضي.
في العراق، كانت المجزرة الثقافية أوسع نطاقاً. متحف الموصل فُجّر جزئياً بعد تحطيم محتوياته الآشورية والأكادية. مدينة نمرود الأثرية — عاصمة الإمبراطورية الآشورية الجديدة — دُمّرت بالجرافات والمتفجرات. مدينة الحضر (هاترا) — أول مملكة عربية وموقع تراث عالمي — تعرّضت لتدمير منهجي. المكتبة المركزية في الموصل أُحرقت بمئات الآلاف من المخطوطات والكتب النادرة. المحصلة: خسر العراق ما يُقدَّر بأكثر من ١٥,٠٠٠ قطعة أثرية بين ٢٠١٤ و٢٠١٧ وحدها.
أوكرانيا: حرب على الهوية الثقافية
مع الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير ٢٠٢٢، عاد تدمير التراث إلى قلب أوروبا. مسرح ماري أوبول الشهير — الذي بُني عام ١٨٨٧ وكان يحتمي فيه مدنيون بينهم أطفال — قُصف بقنابل روسية في مارس ٢٠٢٢ رغم كتابة كلمة "أطفال" بخطوط عملاقة على الأرض المحيطة به. كاتدرائية التجلي في أوديسا — موقع تراث عالمي لليونسكو — تعرّضت لصواريخ كروز في يوليو ٢٠٢٣. وثّقت اليونسكو تضرّر أكثر من ٣٤٠ موقعاً ثقافياً أوكرانياً خلال العامين الأولين من الحرب، تشمل متاحف وكنائس ومكتبات ونُصباً تذكارية.
| الموقع | البلد | العمر | المُدمِّر | التاريخ | الوضع الحالي |
|---|---|---|---|---|---|
| تماثيل بوذا في باميان | أفغانستان | ١٥٠٠ عام | طالبان | مارس ٢٠٠١ | دُمّرت بالكامل — مشاريع ترميم رقمي |
| معبد بعل شمين — تدمر | سوريا | ٢٠٠٠ عام | داعش | أغسطس ٢٠١٥ | دُمّر بالكامل — ترميم جزئي بدعم بولندي |
| متحف الموصل | العراق | مجموعات بعمر ٥٠٠٠ عام | داعش | فبراير ٢٠١٥ | ترميم بدعم سميثسونيان وإيطاليا |
| جسر موستار | البوسنة | ٤٢٧ عام | القوات الكرواتية | نوفمبر ١٩٩٣ | أُعيد بناؤه ٢٠٠٤ — تراث عالمي |
| مسرح ماري أوبول | أوكرانيا | ١٣٥ عام | القوات الروسية | مارس ٢٠٢٢ | مُدمَّر — مشاريع إعادة بناء |
| أضرحة تمبكتو | مالي | ٦٠٠ عام | أنصار الدين | يونيو ٢٠١٢ | أُعيد بناؤها — أول محاكمة دولية |
لماذا يُدمَّر التراث: الأبعاد الاستراتيجية والإيديولوجية
تدمير التراث ليس عملاً اعتباطياً بل يخدم أهدافاً استراتيجية محددة يمكن تصنيفها في أربعة محاور رئيسية. المحور الأول هو "محو الهوية" (Urbicide الثقافي): حين تُدمّر رموز حضارة ما، فإنك تُعلن — رمزياً ومادياً — أن هذه الحضارة لا وجود لها. داعش دمّر الآثار الآشورية في العراق ليس لأنها "أصنام" فحسب — وهو المبرر الديني المُعلَن — بل لمحو أي أثر لتعددية ثقافية سبقت الإسلام في المنطقة، ولفرض سردية تاريخية أحادية تبدأ وتنتهي بالتنظيم.
المحور الثاني هو "التطهير العرقي الثقافي": في حروب البلقان، لم يكتفِ الصرب والكروات بقتل المدنيين البوسنيين بل دمّروا مساجدهم ومكتباتهم ومقابرهم — ليمحوا أي دليل مادي على وجودهم التاريخي في تلك الأراضي. مكتبة سراييفو الوطنية أُحرقت في أغسطس ١٩٩٢ بقذائف فوسفورية مُستهدِفة، ودُمّر أكثر من ١.٥ مليون مجلد ومخطوطة نادرة — أكبر حرق للكتب منذ عصر النازية.
"تدمير تراث شعب هو تدمير لمستقبله. حين تمحو ذاكرة أمة تمحو قدرتها على تصوّر ذاتها في المستقبل — وهذا بالضبط هدف الإبادة الثقافية." — إيرينا بوكوفا، المديرة العامة السابقة لليونسكو
اقتصاد النهب: التمويل عبر الآثار
المحور الثالث هو التمويل. ما لا يُدمَّر يُنهب ويُباع. تشير تقديرات الإنتربول إلى أن تجارة الآثار المنهوبة هي رابع أكبر تجارة غير مشروعة في العالم بعد المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر، بإيرادات سنوية تتراوح بين ٣ و٨ مليارات دولار. داعش وحده حقّق ما يُقدَّر بـ ٣٠٠ مليون دولار من نهب وبيع الآثار العراقية والسورية عبر شبكات تهريب تمتد إلى تركيا ولبنان ودبي ولندن وبروكسل. القطع المنهوبة تُباع في مزادات شرعية بعد تزوير وثائق منشئها، وتنتهي في مجموعات خاصة لأثرياء في أوروبا وأمريكا واليابان.
المحور الرابع هو "الاستفزاز الإعلامي": فيديوهات داعش لتدمير الآثار كانت مُصمَّمة باحترافية سينمائية — زوايا تصوير متعددة، مونتاج دقيق، موسيقى تصويرية — لتحقيق أكبر أثر إعلامي. الهدف لم يكن فقط تدمير الحجر بل إثارة رد فعل عالمي يخدم سردية التنظيم: "نحن قوة لا تُوقف تتحدى العالم بأسره." هذه الاستراتيجية نجحت بشكل مذهل — فيديو تدمير تماثيل متحف الموصل حصد عشرات الملايين من المشاهدات وهيمن على نشرات الأخبار العالمية لأسابيع.
القانون الدولي: بين الحماية النظرية والعجز العملي
الإطار القانوني الدولي لحماية التراث في النزاعات المسلحة يبدو متيناً على الورق. اتفاقية لاهاي لعام ١٩٥٤ — أول معاهدة دولية مخصصة لحماية الممتلكات الثقافية أثناء الحروب — تحظر صراحةً الهجمات على المواقع الثقافية وتفرض على القوات المتحاربة احترام تراث العدو. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (١٩٩٨) يُصنّف تدمير الممتلكات الثقافية كجريمة حرب. قرار مجلس الأمن ٢٣٤٧ لعام ٢٠١٧ أكّد الربط بين تدمير التراث والإرهاب.
لكن الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي هائلة. حتى عام ٢٠٢٤، لم تصدر المحكمة الجنائية الدولية سوى إدانة واحدة تتعلق بتدمير التراث: إدانة المالي أحمد الفقي المهدي عام ٢٠١٧ بتهمة تدمير أضرحة تاريخية في تمبكتو — وحُكم عليه بتسع سنوات فقط. لم تتم محاكمة أي مسؤول عن تدمير تدمر أو الموصل أو باميان. الدول الكبرى التي تنتهك التراث الثقافي في حروبها — كروسيا في أوكرانيا أو التحالف في اليمن — محمية بحق الفيتو من أي مساءلة دولية.
"نملك ترسانة قانونية كاملة لحماية التراث في الحروب، لكنها تبقى حبراً على ورق حين يكون المُدمِّر دولة كبرى تملك حق الفيتو أو تنظيماً مسلحاً لا يعترف بالقانون الدولي أصلاً." — فيديريكو ماجور، مدير عام اليونسكو الأسبق
الإنقاذ والترميم: التكنولوجيا في مواجهة الدمار
رغم حجم الكارثة، تتطور أدوات إنقاذ التراث وترميمه بسرعة ملحوظة. التكنولوجيا الرقمية تقدم خط دفاع جديداً: مشروع "قوس التاريخ الرقمي" (Institute for Digital Archaeology) أنشأ نسخاً ثلاثية الأبعاد دقيقة لقوس النصر في تدمر باستخدام التصوير الفوتوغرامتري وطابعات ثلاثية الأبعاد بالرخام — نُصبت نسخ مُصغَّرة في لندن ونيويورك كرمز للتحدي. مشروع CyArk الأمريكي يعمل على مسح رقمي شامل لمئات المواقع الأثرية المُهدّدة حول العالم، لخلق "نسخة رقمية احتياطية" يمكن استخدامها في الترميم مستقبلاً.
على الأرض، تتصدر فرق الترميم الدولية جهوداً مضنية لإعادة إحياء ما دُمّر. جسر موستار في البوسنة أُعيد بناؤه عام ٢٠٠٤ بعد تعاون تركي-إيطالي-بريطاني استغرق تسع سنوات وتكلّف ١٥.٥ مليون دولار — باستخدام حجارة من نفس المحجر الذي استخدمه المعمار العثماني ميمار خير الدين في القرن السادس عشر. في العراق، تقود منظمة أليف (ALIPH) الفرنسية-الإماراتية — التي أُسّست عام ٢٠١٧ بتمويل أولي قدره ١٠٠ مليون دولار — مشاريع ترميم في الموصل وبابل ونمرود بالتعاون مع سميثسونيان والمتحف البريطاني.
الذكاء الاصطناعي والتراث
أحدث خط دفاع هو الذكاء الاصطناعي. باحثون في جامعة أكسفورد طوّروا خوارزميات قادرة على إعادة بناء قطع أثرية مكسورة رقمياً بدقة تتجاوز ٩٥٪ من خلال تحليل الأنماط الهندسية والفنية. غوغل أطلقت مشروع "Arts & Culture" الذي يستخدم التعلم الآلي لرقمنة وحفظ ملايين القطع الأثرية في متاحف حول العالم بجودة فائقة. الأقمار الاصطناعية التجارية — مثل Planet Labs — تُراقب المواقع الأثرية من الفضاء وتكشف أي تغييرات مشبوهة في الوقت الحقيقي، مما يوفر إنذاراً مبكراً ضد عمليات النهب والتدمير. هذه التقنيات لن تُعيد ما دُمّر، لكنها تضمن ألا يُمحى التراث من الذاكرة حتى لو مُحي من الأرض.
تدمير التراث في الحروب ليس "أضراراً جانبية" بل استراتيجية حرب مُتعمَّدة تهدف إلى محو هوية الشعوب وإعادة كتابة التاريخ. من بغداد المغولية إلى تدمر الداعشية ومن دريسدن النازية إلى ماري أوبول الروسية، الخيط الناظم واحد: من يُدمّر الماضي يستعبد المستقبل. العالم يملك ترسانة قانونية واتفاقيات دولية لحماية التراث، لكنها تبقى عاجزة أمام حق الفيتو والتنظيمات المسلحة التي لا تعترف بأي قانون.
الأمل يكمن في التكنولوجيا — الرقمنة والذكاء الاصطناعي والأقمار الاصطناعية — التي تبني "ذاكرة احتياطية" للحضارة الإنسانية. لكن الأمل الحقيقي يبقى في إرادة سياسية دولية تتعامل مع تدمير التراث بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع جرائم الحرب ضد البشر — لأن تدمير ذاكرة شعب هو شكل من أشكال إبادته.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت