في بحر الصين الجنوبي، الجزر الصغيرة والشعاب المرجانية أكثر استراتيجيةً مما يبدو. الفلبين ومنذ 2023 تواجه ضغطاً صينياً متصاعداً على الشعاب المرجانية التي تعتبرها جزءاً من مياهها الإقليمية وفق حكم التحكيم الدولي 2016 - الحكم الذي ترفضه الصين جملةً وتفصيلاً. القضية ليست مجرد نزاع حدودي تقني: بكين تُطالب بنحو 90٪ من مساحة بحر الصين الجنوبي بموجب ما يُعرف بـ"خط النقاط التسع"، وهو خط ترسمه على خرائطها الرسمية منذ الأربعينيات دون سند قانوني دولي واضح - ويتداخل مباشرة مع مناطق اقتصادية خالصة لست دول مجاورة: الفلبين وفيتنام وماليزيا وبروناي وإندونيسيا وتايوان.

2016
حكم التحكيم الدولي الذي أبطل مطالبات بكين
90٪
من بحر الصين الجنوبي تُطالب به الصين
1951
عام توقيع معاهدة الدفاع المشترك الفلبينية-الأمريكية
9
قواعد فلبينية مفتوحة للقوات الأمريكية وفق اتفاق EDCA

الحوادث البحرية: التصعيد بالتدريج

خراطيم المياه وليزر الإعاقة والحصار الغذائي لجنود الفلبين المرابطين على سفينة BRP Sierra Madre - كلها أدوات صينية في حرب استنزاف هادئة. هذه السفينة، وهي ناقلة دبابات أمريكية من زمن الحرب العالمية الثانية، أغرقتها مانيلا عمداً على شعاب سكند توماس (أيونجين) عام 1999 لتثبيت مطالبتها بالسيادة، وتحوّلت منذ ذلك الحين إلى قاعدة عسكرية فلبينية مرتجلة يقطنها حفنة من مشاة البحرية - ونقطة احتكاك دائمة مع خفر السواحل الصيني الذي يحاصرها دورياً لمنع تزويدها بالإمدادات.

أداة صينية أخرى أقل وضوحاً لكنها أخطر استراتيجياً: ما يُعرف بـ"الميليشيا البحرية" - أسطول ضخم من سفن الصيد المدنية الظاهرية، لكنها تعمل فعلياً بتنسيق مع الدولة الصينية لتثبيت الوجود في المياه المتنازع عليها دون استخدام سفن حربية رسمية قد تُصنَّف كعمل عدائي مباشر. هذا النمط، المعروف في الأدبيات الاستراتيجية بـ"تكتيكات المنطقة الرمادية"، يسمح لبكين بتوسيع نفوذها الفعلي تدريجياً دون تجاوز عتبة تُبرر رداً عسكرياً فلبينياً أو أمريكياً مباشراً. الفلبين ردّت بتعزيز التحالف مع أمريكا: قواعد جوية مفتوحة للعمليات الأمريكية عبر اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز (EDCA)، مناورات مشتركة متكررة أضخمها "باليكاتان (Balikatan)" السنوية، ومبيعات أسلحة ضخمة شملت أنظمة صواريخ متقدمة.

لماذا المخاطرة الصينية محدودة؟

الفلبين معاهدة دفاعية مع الولايات المتحدة تعود لعام 1951. أي هجوم مسلح على القوات الفلبينية - بما فيها سفنها وطائراتها في بحر الصين الجنوبي وفق تأكيدات أمريكية متكررة منذ 2019 - يُلزم واشنطن نظرياً بالرد وفق بنود المعاهدة. هذا الرادع يجعل الصين تفضل الضغط التدريجي دون الوصول إلى حد استخدام القوة المسلحة المباشرة التي قد تُفعّل المعاهدة. لكن السيناريو الأكثر خطورة هو حادثة غير مقصودة - تصادم سفينة أو إصابة جندي فلبيني بنيران حية - تُصعّد خارج نطاق السيطرة قبل أن يتمكن أي طرف من احتوائها دبلوماسياً.

ASEAN المشلولة: لماذا لا يوجد موقف إقليمي موحّد؟

رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)، التي تضم الفلبين وفيتنام وماليزيا وبروناي المتضررة مباشرة من مطالبات بكين، تعجز منذ سنوات عن تبنّي موقف موحّد حازم تجاه الصين - ببساطة لأن كمبوديا ولاوس، الحليفتين الوثيقتين لبكين اقتصادياً، تعرقلان أي بيان جماعي حاد داخل الرابطة التي تعمل بقاعدة الإجماع. هذا الشلل الإقليمي يدفع الدول المتضررة - وعلى رأسها الفلبين - إلى البحث عن تحالفات ثنائية وثلاثية خارج إطار ASEAN: شراكة أمنية ثلاثية مع اليابان والولايات المتحدة، وتنسيق متزايد مع أستراليا، في محاولة لبناء ردع جماعي لا تستطيع الرابطة نفسها توفيره.

⚖ الحكم الاستراتيجي

الصين تُراهن على الوقت والاستنزاف التدريجي، لا على مواجهة عسكرية مباشرة تُخاطر بتفعيل المعاهدة الأمريكية-الفلبينية. المخاطر الحقيقية لا تكمن في استراتيجية مدروسة من أي طرف، بل في حادثة عرضية تتصاعد بسرعة أكبر مما تستطيع القنوات الدبلوماسية احتواءه. طالما بقي الردع الأمريكي قائماً وواضحاً، ستبقى بكين ضمن "المنطقة الرمادية" - ضغط دائم دون حرب مفتوحة.

❓ أسئلة شائعة
ما حكم التحكيم الدولي لعام 2016 ولماذا ترفضه الصين؟
محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي حكمت لصالح الفلبين، مُبطلةً مطالبات الصين بموجب "خط النقاط التسع" باعتبارها بلا سند قانوني دولي. الصين ترفض الحكم وتعتبره غير ملزم لأنها لم تشارك رسمياً في إجراءات التحكيم.
ما هي "الميليشيا البحرية" الصينية؟
أسطول من مئات سفن الصيد المدنية الظاهرية التي تعمل بتنسيق غير معلن مع الدولة الصينية لتثبيت الوجود في المياه المتنازع عليها - أداة "منطقة رمادية" تتيح لبكين توسيع نفوذها دون استخدام سفن حربية رسمية.
هل ستتدخل الولايات المتحدة عسكرياً إذا هوجمت سفن فلبينية؟
واشنطن أكدت مراراً منذ 2019 أن معاهدة الدفاع المشترك 1951 تشمل أي هجوم مسلح على القوات والسفن والطائرات الفلبينية في بحر الصين الجنوبي - لكن التفعيل الفعلي يبقى رهين تقييم سياسي للحادثة نفسها لحظة وقوعها.
لماذا لا تتخذ ASEAN موقفاً موحّداً ضد الصين؟
لأن الرابطة تعمل بقاعدة الإجماع، وكمبوديا ولاوس - الحليفتان الاقتصاديتان الوثيقتان لبكين - تعرقلان أي بيان جماعي حازم، ما يدفع الدول المتضررة للبحث عن تحالفات أمنية خارج إطار الرابطة.

📬 النشرة الأسبوعية

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك - مجاناً.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت

ناصر الصبري - محلل جيوسياسي
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · اقتصاد دولي

صحفي ومحلل في الجيوسياسة والعلاقات الدولية، متخصص في شؤون الأمن والدفاع.