في 2013، أعلن شي جين بينغ في أستانا مبادرة الحزام والطريق - أضخم مشروع للبنية التحتية في تاريخ البشرية. عشر سنوات بعد ذلك، الصورة أكثر تعقيداً من التصورات الأولى سواء التبجيلية أو المعادية - نجاحات حقيقية تتجاور مع إخفاقات مكلفة، وكلاهما جزء من التقييم الموضوعي للمبادرة.

١ الأرقام الحقيقية

140+ دولة تُشارك رسمياً. الاستثمارات المُعلنة تجاوزت تريليون دولار - لكن المُنفَّذ فعلاً أقل بكثير. مشاريع ضخمة أُنجزت: ميناء بيريوس اليوناني (الذي باتت شركة COSCO الصينية تمتلك حصة الأغلبية فيه منذ 2016، أول ميناء رئيسي في دولة عضو بالاتحاد الأوروبي يقع تحت سيطرة تشغيلية صينية مباشرة)، خط سكة حديد مومباسا-نيروبي، والممر الاقتصادي الباكستاني-الصيني (CPEC) الذي تجاوزت استثماراته المُعلنة 60 مليار دولار حول ميناء غوادر الاستراتيجي. ومشاريع كثيرة أخرى تعثّرت أو تأخّرت بشكل كبير عن جداولها الأصلية.

٢ لماذا انضمت الدول؟

العرض بسيط ومُغرٍ: تمويل البنية التحتية دون شروط سياسية مُقيِّدة كتلك التي يفرضها صندوق النقد الدولي عادة (إصلاحات هيكلية، شفافية الحوكمة، معايير حقوق الإنسان). للدول الفقيرة ببنى تحتية متهالكة وحكومات هشة، المقارنة مع القروض المشروطة للمؤسسات الغربية واضحة الجاذبية الفورية. لكن الشروط الصينية الخفية - عقود سرية أحياناً، ضمانات بأصول استراتيجية كموانئ أو مناجم عند التعثر - تبيّنت لاحقاً في حالات متعددة.

⚠ إشكاليات BRI

60% من مشاريع BRI تعاني تأخيرات أو إشكاليات وفق تقديرات متعددة. الحالة الأشهر: ميناء هامبانتوتا السريلانكي، الذي اضطرت كولومبو لتأجيره لشركة صينية لمدة 99 عاماً عام 2017 بعد عجزها عن سداد ديونه - المثال الأكثر استشهاداً به عالمياً في نقاش "دبلوماسية فخ الديون". زامبيا وباكستان واجهتا أيضاً أزمات ديون مرتبطة جزئياً بمشاريع BRI، وإن كانت زامبيا توصّلت عام 2023 لاتفاق إعادة هيكلة شمل الصين كدائن رئيسي - نموذج تفاوضي أظهر أن الأزمات ليست بالضرورة نهاية مغلقة دون حل.

٣ الرد الغربي: البدائل المتأخرة

أمريكا أطلقت "شراكة البنية التحتية العالمية والاستثمار" (PGII) في قمة مجموعة السبع عام 2022 بهدف معلن يصل إلى 600 مليار دولار بحلول 2027. أوروبا أطلقت "البوابة العالمية" (Global Gateway) بـ300 مليار يورو. اليابان ومجموعة السبع تُنسّق بدائل موازية. المشكلة: هذه المبادرات وصلت متأخرة بعقد كامل تقريباً، والصين بنت علاقات ثنائية راسخة على أرض الواقع خلالها يصعب منافستها بمجرد إعلان أرقام أكبر على الورق دون آلية تنفيذ بنفس سرعة نظيرتها الصينية.

٤ بكين تُعيد المعايرة: من "الضخم" إلى "الصغير والجميل"

في قمة المبادرة العاشرة عام 2023، أعلن شي جين بينغ تحوّلاً استراتيجياً معلناً في نهج BRI المستقبلي: التركيز على مشاريع "صغيرة وجميلة" بدل المشاريع الضخمة عالية المخاطر التي سبّبت أزمات الديون السابقة. هذا التحوّل يعكس اعترافاً صينياً ضمنياً بأن النموذج الأول احتاج تعديلاً بعد عقد من التجربة، دون التخلي عن المبادرة نفسها كأداة نفوذ استراتيجي طويل الأمد.

⚖ الحكم الاستراتيجي

BRI ليست "فخ ديون" خالصاً ولا "هبة" خالصة - إنها استثمار استراتيجي صيني بعوائد اقتصادية وسياسية مختلطة، ينجح في بعض السياقات ويفشل في أخرى تبعاً لجودة الحوكمة المحلية وشروط العقد المحدد. الدرس للغرب: لا يمكن انتقاد مبادرة صينية دون تقديم بديل فعلي بنفس السرعة والمرونة التعاقدية - وهو ما لا تزال المبادرات الغربية البديلة تُخفق في تحقيقه بالكامل حتى الآن.

❓ أسئلة شائعة
هل مبادرة BRI تتراجع تحت ضغط الديون؟
جزئياً نعم - الصين باتت أكثر انتقائية في مشاريعها وتُركّز على مشاريع "صغيرة وجميلة" أقل مخاطرة منذ إعلانها ذلك رسمياً عام 2023. لكنها لم تتخلّ عن المبادرة كأداة نفوذ استراتيجي طويل الأمد.
ما قصة ميناء هامبانتوتا السريلانكي؟
أشهر مثال على ما يُسمى "دبلوماسية فخ الديون": عجزت سريلانكا عن سداد ديون بناء الميناء، فاضطرت لتأجيره لشركة صينية لمدة 99 عاماً عام 2017 - سابقة تُستشهد بها دائماً في النقاش الدولي حول مخاطر تمويل BRI.
كم تستهدف مبادرات الغرب البديلة إنفاقه على البنية التحتية العالمية؟
مجموعة السبع تستهدف 600 مليار دولار بحلول 2027 عبر مبادرة PGII، فيما تستهدف "البوابة العالمية" الأوروبية 300 مليار يورو - أرقام كبيرة لكنها وصلت بعد عقد كامل من ترسّخ النفوذ الصيني ميدانياً.
ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · مؤسس geopolô
تحليل معمّق للتحولات الجيوسياسية الكبرى في العالم.

📩 لا تفوّت أي تحليل

نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية