في غضون ثلاث سنوات، طردت مالي والنيجر وبوركينا فاسو القوات الفرنسية وأغلقت السفارات وألغت اتفاقيات الدفاع. هذا الانقلاب الجيوسياسي المتسارع أعاد رسم خريطة النفوذ في أحد أكثر مناطق العالم هشاشة - وأنتج أول تكتل إقليمي أفريقي ينفصل رسمياً عن مؤسسة قارية قائمة منذ عقود.

١ لماذا خرجت فرنسا؟

بعد عشر سنوات من التدخل العسكري (عملية سيرفال ثم بارخان) دون انتصار حاسم ضد الجماعات الجهادية، تصاعد الشعور الشعبي المعادي لفرنسا. الانقلابيون وجدوا في فرنسا كبش فداء مريح - الموروث الاستعماري أداة خطاب فعّالة يسهل تعبئة الرأي العام حوله. باريس انسحبت مُتذرعة بعدم تعاون الحكومات العسكرية، تاركة خلفها فراغاً أمنياً واقتصادياً ضخماً في منطقة كانت فرنسا تعتمد عليها أيضاً كمصدر رئيسي لليورانيوم النيجيري الذي يُغذّي جزءاً كبيراً من محطاتها النووية.

حجم الفراغ الأمني يتّضح في أرقامه: ثلاث دول ساحلية طردت القوات الفرنسية بالكامل من أراضيها، بعد خمسة انقلابات عسكرية ضربت المنطقة منذ عام 2020 وحده. نحو 50 مليون شخص يعيشون اليوم في منطقة توصف بأنها الأكثر خطورة أمنياً في العالم. وأكثر من ألف مقاتل من مجموعة فاغنر الروسية يتمركزون في مالي وحدها، ملء واقعي للفراغ الذي تركه الانسحاب الفرنسي.

٢ فاغنر: الخيار الروسي

مجموعة فاغنر (المعاد تسميتها رسمياً "الفيلق الأفريقي" وإخضاعها لسيطرة وزارة الدفاع الروسية المباشرة بعد مقتل مؤسسها يفغيني بريغوجين في حادث تحطم طائرة مريب عام 2023) ملأت الفراغ الأمني الذي خلّفه الانسحاب الفرنسي. تقدّم الحماية الأمنية للجنتا العسكرية - مقابل امتيازات تعدينية وعقود اقتصادية وحضور استراتيجي لموسكو في قلب أفريقيا. معركة استعادة مدينة كيدال من مقاتلي الطوارق عام 2023، بمشاركة مباشرة لقوات فاغنر إلى جانب الجيش المالي، مثّلت أبرز اختبار عملي لفعالية هذا التحالف الجديد على الأرض.

٣ تحالف دول الساحل: انفصال مؤسسي غير مسبوق

الدول الثلاث لم تكتفِ بطرد فرنسا - بل أسّست عام 2023 "تحالف دول الساحل" (AES) كإطار أمني واقتصادي بديل، وأعلنت رسمياً عام 2024 الانسحاب الكامل من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي هدّدت سابقاً بتدخل عسكري ضد الانقلاب في النيجر عام 2023 قبل أن تتراجع عن التهديد. هذا يُمثّل أول انشقاق مؤسسي بهذا الحجم عن تكتل إقليمي أفريقي عريق، ويعكس رفضاً صريحاً لنموذج التكامل الإقليمي التقليدي الذي ترعاه القوى الغربية والمؤسسات الدولية.

٤ تركيا والإمارات: لاعبون جدد

تركيا تستثمر في الصومال والسودان وليبيا وتمد نفوذها إلى مالي عبر الاتفاقيات الأمنية ومبيعات الطائرات المسيّرة "بيرقدار" التي أثبتت فعاليتها في نزاعات أخرى. الإمارات تبني قواعد وموانئ على السواحل الأفريقية وتستثمر بكثافة في القطاع الزراعي والتعديني. كلتاهما ترى الفوضى فرصة للتمركز دون التكلفة الباهظة أو الالتزامات السياسية طويلة الأمد التي يفرضها التدخل الغربي المباشر عادة.

⚖ الحكم الاستراتيجي

الساحل يُظهر أن الانسحاب الغربي لا يُحل مشكلة الجماعات الجهادية - بل يُفتح باباً لمنافسين أقل اهتماماً بالديمقراطية وحقوق الإنسان في شروط شراكتهم. السكان في الوسط يدفعون ثمن صراع القوى على أراضيهم، فيما لا يزال الوضع الأمني الفعلي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو متدهوراً رغم تعاقب الشركاء الأمنيين.

❓ أسئلة شائعة
هل فاغنر/الفيلق الأفريقي فاعل عسكرياً في الساحل؟
جزئياً - حمى بعض الحكومات من الانهيار الكامل وساهم في عمليات محددة كاستعادة كيدال، لكنه عجز عن القضاء على الجماعات المتطرفة كـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وتنظيم "الدولة الإسلامية في الساحل". الوضع الأمني في مالي والنيجر تدهور بعد الانسحاب الفرنسي رغم الوجود الروسي البديل.
ما هو "تحالف دول الساحل" (AES)؟
تكتل أمني واقتصادي أسّسته مالي والنيجر وبوركينا فاسو عام 2023 كبديل لعضويتها في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، التي انسحبت منها رسمياً عام 2024 - أول انشقاق مؤسسي بهذا الحجم عن تكتل إقليمي أفريقي راسخ.
لماذا كانت النيجر مهمة اقتصادياً لفرنسا تحديداً؟
لأنها مصدر رئيسي لليورانيوم الذي يُغذّي جزءاً كبيراً من محطات الطاقة النووية الفرنسية - ما جعل فقدان النفوذ هناك خسارة استراتيجية تتجاوز البعد الرمزي إلى أمن الطاقة الفرنسي المباشر.
ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · مؤسس geopolô
تحليل معمّق للتحولات الجيوسياسية الكبرى في العالم.

📩 لا تفوّت أي تحليل

نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية