ثمة إغراء في تصوير أزمة الساحل على أنها فشل مكافحة الإرهاب — وهو تصوير يُبسّط بشكل مُضلِّل. ما يجري في منطقة تمتد من مالي إلى النيجر ومنها إلى بوركينا فاسو وتشاد هو شيء أكبر: إعادة رسم خريطة النفوذ الدولي في قارة أفريقيا، مع استخدام أزمات الأمن والجماعات المسلحة وسيلةً لا غاية. النتيجة المباشرة: تراجع النفوذ الغربي المتراكم منذ نهاية الاستعمار، وصعود نفوذ موسكو وبكين وأنقرة وأبوظبي.
من ملأ الفراغ الفرنسي؟
روسيا وفاغنر وخلفائها
مثّل انتشار مجموعة فاغنر في مالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا وغيرها أداةً روسية مثالية: قوة تُنكَر دبلوماسياً وتُؤدّي مهاماً عسكرية وأمنية واستخراجية. مقتل بريغوجين لم يُنهِ الوجود بل أعيد هيكلته تحت اسم Africa Corps التابع مباشرة للدفاع الروسي.
تركيا: الشريك الأمني الديني
يستثمر الوجود التركي في أفريقيا على ثلاثة مسارات: بناء قواعد عسكرية في الصومال وليبيا والنيجر، وتقديم الدعم الديني والتعليمي عبر الأذرع المرتبطة بالإخوان المسلمين، ومبيعات أسلحة المسيّرة بيرقدار التي أثبتت فاعليتها.
الصين: الاستثمار قبل الأمن
تستمر الصين في نهجها المُعتاد: استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتعدين مقابل علاقات دبلوماسية إيجابية وامتناع عن التدخل في الشأن الداخلي. هذا النهج يمنحها قبولاً لا يحظى به المتدخلون الأمنيون.
ما الذي يُتنافَس عليه فعلاً في الساحل؟
الساحل ليس مجرد أزمة أمنية — إنه مختبر لنموذج حوكمة بديل يُقدّمه اللاعبون الجدد في مواجهة المشروطية الغربية: مساعدات بلا ديمقراطية، أمن بلا محاسبة، شراكة بلا شروط. نجاح أو فشل هذا النموذج في الساحل سيُشكّل النهج الأفريقي تجاه التعاون الدولي لعقود.
تعمّق الانقلاب على النفوذ الغربي
منطقة AES (تحالف دول الساحل: مالي-بوركينا-النيجر) أعلنت رسمياً انفصالها عن منظومة إيكواس، وعمّقت علاقاتها مع روسيا وأغلقت القواعد الغربية. في المقابل، تصاعدت الهجمات الجهادية في الجنوب أكثر من الشمال — مما يُشكّك في قدرة الوجود الروسي على حلّ أزمة الأمن حلاً جذرياً.
مسارات الساحل الثلاثة
استمرار التدهور الأمني
يتعاقب الفاعلون الخارجيون دون حل جذري للأسباب الداخلية للأزمة.
نموذج جديد يُؤتي ثماره
النهج الروسي-الصيني يُحقق حداً أدنى من الأمن في المدن يُتيح استمرار الاستخراج الاقتصادي.
التمدد نحو دول الساحل والشاطئ
الجماعات المسلحة تتمدد نحو غانا والنيجيريا وساحل العاج مما يُنشئ أزمة أمنية قارية.
أزمة الساحل هي في جوهرها أزمة شرعية الدولة المبنية على عقود ما بعد الاستعمار التي لم تُحقق الأمن ولا التنمية. اللاعبون الجدد يُقدّمون بدائل ربما تُوفّر استقراراً ظاهرياً على المدى القصير دون أن تعالج الأسباب البنيوية. الساحل سيبقى خاصرةً هشّة في القارة الأفريقية لعقود قادمة.
لماذا تتكاثر القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا؟
من جيبوتي إلى الساحل — التنافس الأمريكي-الصيني-الروسي على الوجود العسكري في أفريقيا
← اقرأ المقالالجيوش الأفريقية المُجهَّزة بالسلاح الروسي
من الجزائر إلى مالي — خريطة الدول الأفريقية التي تعتمد على السلاح الروسي
← اقرأ المقالالحرب في الساحل: هل الساحل فقد السيطرة؟
JNIM وداعش والانقلابات — قراءة في تدهور الأمن في منطقة الساحل الأفريقي
← اقرأ المقاللماذا يصبح الساحل الأفريقي المركز الجديد للحروب…
الساحل في قلب المنافسات الكبرى
← اقرأ المقالالجيوش الأفريقية المُجهَّزة بالسلاح الروسي
التسليح الروسي في الساحل
← اقرأ المقاللماذا تكسب روسيا أرضاً عسكرياً في أفريقيا؟
من مالي إلى أفريقيا الوسطى — روسيا وفاغنر يُعيدان رسم خريطة النفوذ العسكري
← اقرأ المقالالحرب في الساحل: هل الساحل فقد السيطرة؟
الأزمة الإنسانية والأمنية
← اقرأ المقال📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت