حين اختار جوزيف ناي مصطلح «القوة الناعمة» عام 1990 ليصف القدرة على الجذب لا الإكراه، لم يكن يتخيل أن الصين ستُحوّله إلى مشروع حكومي ضخم. بكين أنفقت منذ 2009 أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً على شبكة من الأدوات الثقافية والإعلامية والأكاديمية لتشكيل صورتها في العالم.

الأدوات: من كونفوشيوس إلى CGTN

معاهد كونفوشيوس — المنتشرة في أكثر من 150 دولة — تُقدّم تعليم اللغة الصينية والثقافة كواجهة ناعمة. لكنها في الوقت ذاته موضع انتقاد واسع لكونها أذرع للمراقبة الأيديولوجية وأدوات للضغط على الرأي الأكاديمي. دول عديدة من أمريكا إلى السويد وكندا أغلقت معظمها.

قناة CGTN (تلفزيون الصين الدولي) وكالة شينخوا وصحيفة China Daily تُوزَّع مجاناً في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتُقدّم رواية الحكومة الصينية بأسلوب احترافي. لكن مصداقيتها الإعلامية تبقى محدودة لأن المتلقي يعرف أنها إعلام حكومي مُموَّل.

لماذا يفشل الجاذبية الصينية؟

القوة الناعمة تعمل حين تُعجب الناس بصدق لا حين تُقنعهم بالأموال. هوليوود جذّابة لأنها تُمثّل قيماً يريدها كثيرون: الحرية الفردية والنجاح الشخصي والمغامرة. القيم التي تُروّجها بكين — الاستقرار الحزبي، والتنمية الاقتصادية تحت قيادة مركزية — جذّابة في بعض السياقات الحكومية لكنها لا تُحرّك المشاعر الشعبية.

الأزمات الكبرى أضرّت بالصورة الصينية: كوفيد وأصول الوباء، تيانانمن المُحتفى بذكراه خارجياً، قضية الإيغور في شينجيانغ التي وثّقتها منظمات حقوق الإنسان الدولية. كل هذه الملفات تحدّ من قدرة بكين على بناء رواية جذّابة عالمياً.

حيث تنجح القوة الصينية الناعمة

الاستثمار الاقتصادي — رغم أنه ليس قوة ناعمة بالمعنى الكلاسيكي — هو أنجع أدوات الصين. الدول التي تعتمد على الصين تجارياً وبنياً تحمي صورة الصين في تصويتات الأمم المتحدة. هذه هي القوة الناعمة الصينية الحقيقية: ليست الثقافة بل الاعتماد الاقتصادي.

📌 تقييم geopolo

الصين لم تفشل في القوة الناعمة لأنها لا تمتلك الأدوات، بل لأن القوة الناعمة الحقيقية تنبع من المجتمع لا من الحكومة. ما طوّرته الصين هو قوة ناعمة حكومية — نافعة في العلاقات بين الحكومات، ومحدودة في استمالة الشعوب.

❓ أسئلة شائعة
كم تُنفق الصين على قوتها الناعمة؟
التقديرات تتراوح بين 7 و10 مليارات دولار سنوياً، لكن الأرقام الدقيقة غير معلنة. يشمل ذلك الإعلام الخارجي والمنح الدراسية ومعاهد كونفوشيوس والمبادرات الثقافية والدبلوماسية الرياضية.
ما الفرق بين القوة الناعمة الأمريكية والصينية؟
القوة الناعمة الأمريكية تأتي أساساً من القطاع الخاص: هوليوود والجامعات والموسيقى والتكنولوجيا. الصينية تأتي من الحكومة مباشرة. هذا الفارق يمنح الأمريكية مصداقية أعلى لدى الشعوب.
ناصر الصبري — محلل جيوسياسي
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · مؤسس geopolo

صحفي ومحلل في الجيوسياسة والعلاقات الدولية، متخصص في شؤون الأمن والدفاع، وحاصل على دبلوم دراسات عليا في العلاقات الدولية (مسار الأمن والدفاع).

🐉
استراتيجية الجاذبية الصينية

ما الذي تريده الصين فعلاً من القوة الناعمة؟

القوة الناعمة الصينية لا تشبه نظيرتها الأمريكية في هدفها. أمريكا تسعى لنشر قيمها — الديمقراطية وحقوق الإنسان والسوق الحرة. الصين لا تسعى لنشر "القيم الصينية" بقدر ما تسعى لتغيير القواعد: أن يُقبل الرأي العام العالمي بالنماذج الاستبدادية كخيار مشروع، وأن يتآكل القبول الغربي بالنقد الخارجي لسياساتها.

٥٥٠+
معهد كونفوشيوس في ٦٢ دولة — كثير منها أُغلق تحت ضغط استخباراتي
$١٥B
الإنفاق الصيني السنوي على الإعلام الخارجي والدبلوماسية العامة
١٤٠+
دولة تربطها اتفاقيات "الحزام والطريق" مع الصين
٦ مليون
طالب صيني في الخارج — أكبر شبكة "دبلوماسية" غير رسمية

بنية تحتية الإعلام: الجبهة غير المرئية

CGTN بالعربية وCRI الإذاعة الدولية وشبكة الحسابات الموالية على منصات التواصل — هذه ليست وسائل إعلام بالمعنى التحريري التقليدي. إنها منظومة لإدارة السرديات. استثمرت الصين في شراء مساحات إعلانية في صحف أفريقية وعربية ولاتينية أمريكية، وفي إنتاج محتوى جاهز مجاناً للمحطات التي تفتقر للميزانيات. النتيجة: سرديات موالية لبكين تصل ملايين القراء عبر مصادر تبدو محلية.

"الصين لا تريد أن يُحبّها العالم — تريد أن يقبله كما هي دون انتقاد. هذا فرق جوهري عن القوة الناعمة التقليدية." — جوزيف ناي، مُبتكر مفهوم القوة الناعمة

حدود الجاذبية الصينية: لماذا لا تعمل في الغرب؟

في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، للقوة الناعمة الصينية أثر ملموس — خاصة حين تترافق مع استثمارات البنية التحتية. لكن في الغرب ومجتمعات المعلومات المفتوحة، كل محاولة صينية تواجه تدقيقاً لا تستطيع تحمّله: قضايا شينجيانغ، قمع هونغ كونغ، ضغط تايوان، جاسوسية معاهد كونفوشيوس. كل حادثة واحدة من هذه تمحو أشهراً من الدبلوماسية العامة.

❓ أسئلة شائعة
هل معاهد كونفوشيوس أدوات تجسس؟
التقييمات الاستخباراتية تتفاوت. الاتهام الأشمل هو التأثير الأيديولوجي لا التجسس المباشر: تشجيع الرقابة الذاتية في الجامعات حول موضوعات كتايوان وتبت وشينجيانغ. وهذا ما دفع أكثر من ١٠٠ جامعة أمريكية وأوروبية إلى إغلاقها.
هل القوة الصينية الناعمة تنجح في العالم العربي؟
جزئياً. الصين تُعرض نفسها كشريك غير مشروط — لا يطلب إصلاحاً سياسياً ولا يُعلّق مساعدات بحقوق الإنسان. هذا يجعلها جذابة للحكومات. لكن على مستوى الشعوب، المنتج الثقافي الصيني (أفلام، موسيقى، قيم) لا يُنافس الأمريكي في شيء تقريباً.

📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت