حين تحرّكت الطائرات الحربية الروسية نحو قاعدة حميميم في سبتمبر 2015، صوّر الكرملين العملية على أنها «مساعدة إنسانية» لدولة صديقة تُقاتل الإرهاب. ما لم يُقَل بصوت عالٍ يومذاك هو أن روسيا كانت تُحقّق حلماً استراتيجياً ظلت تلاحقه منذ انهيار الاتحاد السوفيتي: موطئ قدم بحري دائم في البحر الأبيض المتوسط. سقوط الأسد يضع هذا الحلم اليوم على محكّ وجودي.
لماذا دخلت روسيا سوريا: ما وراء الرواية الرسمية
الرواية الروسية الرسمية عن التدخل في سوريا تقوم على ثلاث ركائز: مكافحة الإرهاب، الدفاع عن الشرعية الدولية ضد التدخل الخارجي في شؤون الدول، ودعم حليف يطلب المساعدة. لكن القراءة الجيوستراتيجية تكشف أن الحسابات أعمق:
أولاً: الجغرافيا البحرية. روسيا القوة القارية الكبرى لديها نقطة ضعف بنيوية في البحار الدافئة. أسطولها في البحر الأسود محاصر بمضيق البوسفور الخاضع للسيادة التركية. وجود طرطوس يعني قاعدة إسناد بحرية خارج هذا الحصار — وهذا يُحوّل المعادلة الاستراتيجية في المتوسط.
ثانياً: الاختبار التسليحي. سوريا كانت المسرح الأكبر لتجريب الأسلحة الروسية الحديثة في ظروف قتالية حقيقية. أكثر من 300 نوع من الأسلحة جرى توظيفها واختبارها، من صواريخ كاليبر إلى طائرات Su-57. وثيقة كُشف عنها عام 2017 أشارت إلى أن 87% من الضباط الروس الذين خدموا في سوريا نالوا «خبرة قتالية» — وهذا ثمن لا يُقدَّر بمال.
الحضور العسكري بالأرقام
حميميم وطرطوس: ما الذي تمثله فعلاً؟
طرطوس: الدرّة في التاج الاستراتيجي
ميناء طرطوس ليس مجرد «قاعدة بحرية» — إنه النقطة الوحيدة التي تُتيح لروسيا إعادة إمداد سفنها الحربية في البحر الأبيض المتوسط دون أن تُضطر للعودة عبر البوسفور الخاضع للسيادة التركية. الاتفاقية المُبرمة عام 2017 تُعطي روسيا حق استخدامه 49 سنة مع إمكانية التجديد — وهي صياغة تجعله فعلياً موقعاً دائماً. في حال خسارته، لن تختفي روسيا من المتوسط، لكنها ستفقد حرية الحركة العملياتية التي أتاحها لها هذا الوجود.
حميميم: بوابة العمليات الجوية
قاعدة حميميم الجوية قرب اللاذقية تعمل منذ 2015 كمنصة إطلاق للعمليات الجوية الروسية عبر سوريا والمنطقة. ما يجعلها استراتيجية أيضاً هو موقعها: على مسافة تُتيح للطائرات الروسية التحليق نحو ليبيا وأفريقيا جنوبهما — وهي المناطق التي وسّعت فيها روسيا حضورها عبر مجموعة فاغنر وخلفائها (Africa Corps).
سقوط الأسد: حسابات جديدة في موسكو
ما يُميّز الحالة الروسية في سوريا عن حالات سابقة مشابهة هو أن موسكو وقّعت اتفاقيات مع الدولة السورية لا مع شخص الأسد — وهذا يُتيح لها بعض الغطاء القانوني للتفاوض مع أي سلطة جديدة. لكن المعضلة أعمق: من يجلس في دمشق اليوم يعرف أن روسيا استثمرت بذكاء في إطالة عمر نظام أودى بحياة مئات آلاف السوريين. هذه الذاكرة الجماعية ليست رصيداً تفاوضياً جيداً.
انشغال روسيا في أوكرانيا يُضيف طبقة إضافية من التعقيد. موارد محدودة، ضغط غربي متواصل، وأولويات استراتيجية تُرتَّب من جديد — كل هذا يجعل الاحتفاظ بسوريا أقل أهمية نسبياً مقارنة بما كانت عليه قبل 2022.
«فقدان طرطوس سيُعيد روسيا إلى الوضع الاستراتيجي لعام 1991 في المتوسط. إنه ليس كارثةً — لكنه تراجع استراتيجي ملموس.»— مارك غاليوتي، معهد RUSI اللندني، 2025
ما الذي تملكه روسيا للمساومة؟
لا تذهب روسيا إلى الطاولة التفاوضية فارغة اليدين. لديها أوراق حقيقية:
الاعتراف الدولي: روسيا لا تزال عضواً دائماً في مجلس الأمن يمتلك حق الفيتو — وأي حل سياسي شامل لسوريا يحتاج مباركتها أو على الأقل عدم عرقلتها. الديون والعقود: الديون السورية لروسيا تُقدَّر بعشرات المليارات — يمكن تحويلها إلى ورقة ضغط أو أداة جذب. الحضور الأمني: وجود روسيا يُوازن حضور تركيا وإيران ويُتيح للقوى الغربية ومنطقة الخليج نقطة ضغط غير مباشرة — وهذه الوظيفة لها قيمة لا يُستهان بها.
الأرجح: روسيا ستُفاوض على الإبقاء على القاعدتَين بشروط مُعدَّلة — ربما بنطاق أضيق وتمويل مختلف. الانسحاب الكامل يُكلّفها كثيراً استراتيجياً، والتمسك العنيد يُكلّفها دبلوماسياً.
الخطر الحقيقي: أن تُغريها السلطة الجديدة في دمشق بإقامة علاقات مع قوى أخرى (تركيا، الخليج، الغرب) مقابل دفع روسيا للخروج — وهنا يصبح الثمن المطلوب أكبر مما تستطيع روسيا تقديمه في ظل الضغط الأوكراني.
🖼 الصورة المقترحة: صورة جوية لميناء طرطوس مع مدمّرات أو فرقاطات في المرساة، مع علم روسي في خلفية ضبابية. أسلوب تصوير صحفي موثّق، تعليق على ثنائية القوة والهشاشة.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت