في عام 2021، أدلى الأدميرال فيليب دافيدسون، قائد القيادة الأمريكية في المحيط الهادئ آنذاك، بتصريح مثير أمام الكونغرس الأمريكي حذّر فيه بوضوح: «قد تغزو الصين تايوان خلال ست سنوات». في عام 2026، لم يبقَ من تلك النافذة الزمنية المُقدَّرة سوى سنة واحدة فقط قبل الموعد الذي أشار إليه، ما يجعل هذا التصريح مرجعاً متكرراً في كل نقاش استراتيجي حول مستقبل الجزيرة. فما الذي تغيّر فعلياً في موازين القوى والاستعدادات منذ ذلك التحذير؟ وما الذي بقي على حاله رغم مرور خمس سنوات كاملة من التوتر المتصاعد؟
لماذا 2027 تحديداً؟
لا يُعدّ عام 2027 تاريخاً اعتباطياً اختير عشوائياً في التحليلات الاستراتيجية الغربية - إنه تحديداً العام المئوي لتأسيس الجيش الشعبي التحريري الصيني (تأسس عام 1927)، وهو رمزية تاريخية عميقة يوليها الحزب الشيوعي الصيني أهمية قصوى. إنه أيضاً العام الذي يسعى فيه شي جين بينغ إلى تقديم «إنجاز تاريخي» ملموس يُرسّخ إرثه الشخصي داخل الحزب، والعام الذي يرى فيه العديد من المحللين العسكريين أن الجيش الصيني قد يبلغ فيه ذروة جهوزيته التقنية النسبية، قبل أن تتمكن القوات الأمريكية من نشر تقنيات الجيل الخامس الجديدة على نطاق واسع يعيد ترجيح الكفة.
لكن يبقى هناك فارق جوهري بين «الجاهزية العسكرية» النظرية على الورق و«الجاهزية الفعلية للحرب» على أرض الواقع. أثبتت حرب أوكرانيا بشكل قاطع أن جيوشاً كبيرة ومُنظَّمة ظاهرياً يمكن أن تُفشَل بعوامل لوجستية وإنسانية غير متوقعة كلياً مسبقاً، من مشاكل الإمداد إلى انهيار الروح المعنوية. هذا الدرس المُكلف بالتأكيد يدخل بقوة في الحسابات الاستراتيجية الحذرة لقيادة بكين قبل أي قرار حاسم.
ما الذي تفعله تايوان للاستعداد؟
«لن نكون أوكرانيا لأننا نعرف ما يأتي. سنكون كالقنفذ - أي هجوم عليه مُؤلم.» مسؤول دفاعي تايواني في مقابلة مع Foreign Affairs، 2025
التحولات الدفاعية الكبرى منذ 2023:
- إطالة الخدمة العسكرية الإلزامية من 4 أشهر إلى سنة (بدءاً من 2024).
- اقتناء صواريخ Harpoon Block II (400 وحدة) لضرب أسطول الإنزال الصيني.
- نشر نظام HIMARS الأمريكي وصواريخ ATACMS.
- منظومة دفاع ساحلي مدمجة من صواريخ Hsiung Feng III محلية الصنع.
- برنامج الحصون الجبلية: إخفاء الطائرات في كهوف صخرية قادرة على تحمّل الضربات.
- التدريب على الحرب الحضرية - كل مدينة تايوانية خُطِّطت دفاعياً.
سيناريو الغزو: كيف قد يبدأ؟
يتحدث الخبراء العسكريون والاستراتيجيون الدوليون عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لكيفية بدء أي مواجهة مستقبلية:
السيناريو الأول: الحصار البحري الخانق. تُطوّق الصين تايوان بالكامل بحراً وجواً، وتقطع تدريجياً كل الإمدادات الحيوية، وتُسقط الاقتصاد التايواني ببطء دون خوض حرب مباشرة ذات خسائر بشرية فورية. يكمن الخطر الاستراتيجي في هذا السيناريو في أنه يستفز الولايات المتحدة بشدة دون أن يمنحها ذريعة عسكرية واضحة ومباشرة تبرر رداً حاسماً وفورياً.
السيناريو الثاني: الضربة الخاطفة المباغتة. إنزال بحري وجوي سريع ومحدود النطاق يستهدف السيطرة الفورية على مقر الحكومة التايوانية قبل أن يتمكن أي تدخل أمريكي من الوصول في الوقت المناسب. تكمن المشكلة الجوهرية في هذا السيناريو في أن مضيق فورموزا يتحول تاريخياً وتكتيكياً إلى مقبرة حقيقية لأي سفن إنزال تحت وابل النيران التايوانية المُحصَّنة جيداً على طول الساحل.
السيناريو الثالث: التدهور التدريجي المتصاعد. سلسلة استفزازات متتالية تُصعَّد تدريجياً وبشكل محسوب، حتى يقع حادث ميداني غير مخطط له يتحول فجأة إلى ذريعة كافية للتصعيد الشامل. يُعدّ هذا السيناريو الأخطر من بين الثلاثة لأنه يُشرك تدريجياً قوى إقليمية ودولية متعددة دون أن يمتلك أي طرف سيطرة كاملة على وتيرة التصعيد أو نقطة توقفه.
الدور الأمريكي: الغموض البنّاء
تتبع الولايات المتحدة منذ عقود سياسة دقيقة تُعرف بـ«الغموض الاستراتيجي»: فهي لا تقول صراحةً وبشكل قاطع إنها ستُدافع عسكرياً عن تايوان في حال تعرضها لهجوم مباشر، لكنها أيضاً لا تنفي هذا الاحتمال بشكل صريح. كسر الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن هذا الغموض المتعمَّد أربع مرات مختلفة بتصريحات علنية تُقرّ صراحة بالدفاع عن الجزيرة، لكن كل مرة كان يتبعها تصحيح سريع ونفي رسمي من موظفي إدارته لتخفيف حدة التصريح.
يكمن السبب الاستراتيجي العميق وراء هذا الغموض المتعمَّد في أنه يُربك حسابات بكين ويردعها عن أي مغامرة متسرعة، ويُبقي في الوقت ذاته باب الدبلوماسية مفتوحاً أمام الطرفين دون حرق الجسور. اقترح الرئيس ترامب في تصريحات لافتة المطالبة بدفع تايوان أجراً مقابل الحماية الأمريكية، وهو تحوّل خطابي يعكس بوضوح مستوى عدم يقين كبير ومتزايد حول طبيعة الالتزام الأمريكي المستقبلي تجاه الجزيرة.
ما يبقى مؤكداً رغم كل هذا الغموض المحسوب: قانون العلاقات مع تايوان الصادر عام 1979 يُلزم الولايات المتحدة قانونياً بتزويد تايوان بأسلحة كافية «للدفاع عن نفسها» بشكل مستقل، وهذا الالتزام القانوني يُنفَّذ بالكامل وبانتظام عبر صفقات تسليح متعاقبة رغم كل التقلبات السياسية.
ما الذي يمنع الحرب حتى الآن؟
خمسة عوامل تُبقي المواجهة في خانة الاحتمال لا اليقين:
- الخوف من الاستجابة الأمريكية: حتى التهديد بالتدخل يُكلف الصين.
- الاقتصاد المتشابك: تايوان تُنتج 90% من الرقائق الإلكترونية المتقدمة - تدمير المصانع يضر الجميع بمن فيهم الصين.
- درس أوكرانيا: الحرب أطول وأكثر كلفة مما يبدو. شي شاهد بوتين يعلق في أوكرانيا.
- تشابك الغواصات النووية: أي خسارة كبرى في البحر قد تضغط للانتقام بسلاح أثقل.
- الاقتصاد الصيني المتباطئ: شي يحتاج استقراراً اقتصادياً - الحرب تُهدده.
تبقى الحرب المباشرة غير حتمية إطلاقاً في المدى القريب، لكن خطر التصعيد غير المقصود أو وقوع حادث ميداني عرضي يتحول إلى شرارة إشعال يُعدّ اليوم الأعلى منذ أزمة مضيق تايوان عام 1996، وهي الأزمة الأخيرة المماثلة التي شهدت توتراً عسكرياً مباشراً بهذا المستوى بين الطرفين.
يبقى أخطر سيناريو ممكن هو أن تُقدِّر قيادة صينية، عن خطأ حسابي استراتيجي جسيم، أن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكرياً في نهاية المطاف - ثم تتدخل فعلياً بشكل مباشر وحاسم. هذا النوع تحديداً من الخطأ في تقدير نوايا الخصم هو ما أشعل تاريخياً معظم الحروب الكبرى والمدمرة على مر التاريخ البشري، من الحرب العالمية الأولى إلى نزاعات أكثر حداثة.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت