فيتنام دولة تُتقن فن التوازن بصمت. دولة شيوعية الحكم بقيادة الحزب، وشريك مُفضَّل لأمريكا في احتواء الصين، وأكبر مستفيد من تحويل سلاسل الإنتاج الصينية نحو الخارج. هذه التناقضات الظاهرة تخفي رؤية استراتيجية متماسكة يصفها المسؤولون الفيتناميون أنفسهم بـ"دبلوماسية الخيزران" - جذور راسخة أيديولوجياً، لكن جذع يتمايل مع الريح دون أن ينكسر.
المعجزة الاقتصادية التي تُقلق بكين
في عام 2025، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي الفيتنامي 450 مليار دولار، بنمو يتجاوز 6٪ سنوياً. صادرات الإلكترونيات - في مقدمتها مصانع Samsung وIntel وFoxconn التي انتقلت من الصين - حوّلت فيتنام إلى مركز تصنيع آسيوي حقيقي. مصنع Intel في مدينة هوشي منه بات أحد أكبر منشآت تجميع واختبار الرقائق الإلكترونية التابعة للشركة في العالم. الأجور الأدنى من الصين والبنية التحتية المتطورة يجعلانها الخيار الأمثل لاستراتيجية "China+1" التي تتبناها الشركات متعددة الجنسيات لتنويع سلاسل إمدادها بعيداً عن الاعتماد الحصري على الصين منذ تصاعد الحرب التجارية الأمريكية-الصينية.
الموازنة بين واشنطن وبكين
هانوي تمارس ما يسميه المحللون "دبلوماسية الخيزران" - تتأرجح دون أن تنكسر. الصين شريكها التجاري الأول، وأمريكا شريكها الأمني المفضل. فيتنام عضو في ASEAN وتشارك في التدريبات البحرية الأمريكية، وفي الوقت ذاته تُحافظ على حزب شيوعي وعلاقات دافئة مع بكين على المستوى الأيديولوجي. المحطة الأبرز في هذا التوازن: زيارة الرئيس الأمريكي بايدن لهانوي في سبتمبر 2023، التي رفعت العلاقة الثنائية دفعة واحدة إلى أعلى مستوى في السلم الدبلوماسي الفيتنامي - "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" - وهي الرتبة نفسها التي تحتلها الصين وروسيا، خطوة رمزية هائلة لبلد خاض حرباً دموية ضد الولايات المتحدة قبل أقل من خمسين عاماً ولم يُطبّع علاقاته الدبلوماسية معها إلا عام 1995.
"اللاءات الأربع" ونزاع بحر الصين الجنوبي
رغم هذا التقارب مع واشنطن، ترفض فيتنام رسمياً أي تحالف عسكري رسمي معها - التزاماً بعقيدة دفاعية معلنة تُعرف بـ"اللاءات الأربع": لا تحالفات عسكرية، لا الانحياز لدولة ضد أخرى، لا قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، ولا استخدام القوة في العلاقات الدولية. هذه العقيدة تشرح لماذا تبقى العلاقة الأمريكية-الفيتنامية "شراكة استراتيجية" عميقة لكن غير مُتوَّجة بمعاهدة دفاع مشترك رسمية كما هو الحال مع الفلبين أو اليابان.
في الوقت ذاته، تخوض فيتنام نزاعها الخاص مع الصين في بحر الصين الجنوبي: خسرت جزر باراسيل بالكامل لصالح البحرية الصينية في معركة بحرية عام 1974، ولا تزال تتنازع مع بكين على أجزاء من أرخبيل سبراتلي وعلى مناطقها الاقتصادية الخالصة التي تدخلها سفن خفر السواحل الصيني ومنصات التنقيب بشكل متكرر. هذا يجعل فيتنام حالة فريدة: شريك اقتصادي وثيق لبكين، وفي الوقت ذاته أحد أكثر الأطراف تضرراً من مطالباتها البحرية التوسعية في المنطقة.
نجاح فيتنام في الجمع بين نمو اقتصادي صيني الطراز، وشراكة أمنية أمريكية متعمّقة، ونزاع بحري مباشر مع بكين - كل ذلك في آن واحد دون الانكسار نحو أي طرف - يجعلها من أنجح تطبيقات "عدم الانحياز الذكي" في آسيا المعاصرة. التحدي المقبل لن يكون اقتصادياً بل دبلوماسياً: قدرة هانوي على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق كلما تصاعدت المنافسة الأمريكية-الصينية الأوسع.
📬 النشرة الأسبوعية
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك - مجاناً.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت