تحليلات جيوسياسية مستقلة Français · الاشتراك
اليمن والحرب على الهوية
تحليل سياسي اجتماعي اليمن · الهوية · المذهب

اليمن: حين تتحوّل الطائفة إلى أداة حرب، وتُختطف الهوية تحت شعار المذهب

لم يعد المشهد اليمني مجرد صراع على السلطة. ما يجري هو تفكيك للمجتمع، وإعادة هندسة للهوية، وتحويل الانتماء الديني من إطار روحي وثقافي إلى سلاح سياسي.

هويةتُعاد صياغتها بالقوة
مذهبيتحول إلى خطاب سلطة
دولةتتآكل بين الشرعيات
مجتمعيدفع ثمن الحرب الرمزية
الكاتب: geopolo القسم: الشرق الأوسط تاريخ النشر: 6 يونيو 2026 مدة القراءة: 14 دقيقة
اليمنالهوية الوطنيةالحوثيونالزيديةالشافعيةإيرانالطائفيةالحرب الأهلية

لم يعد المشهد اليمني اليوم مجرّد صراع على السلطة بين حكومة معترف بها دولياً وحركة مسلّحة تمردت على الدولة. هذا التوصيف، رغم صحته الجزئية، يبقى قاصراً عن فهم العمق الحقيقي للأزمة. ما يجري في اليمن هو تفكيك ممنهج للمجتمع، وإعادة هندسة قسرية للهوية، وتحويل الانتماء الديني من إطار روحي وثقافي إلى سلاح سياسي يُستخدم لتبرير السيطرة، وتصفية الخصوم، وإعادة تشكيل المجال العام وفق منطق الحرب لا منطق الدولة.

الخطير في الحالة اليمنية أنّ النزاع لم يعد يدور فقط حول من يحكم صنعاء أو عدن، ولا حول شكل التسوية السياسية الممكنة، بل حول مَن يملك حق تعريف اليمني نفسه: هل هو مواطن داخل مجتمع متنوع، أم تابع لمشروع أيديولوجي عابر للحدود؟ هنا تبدأ المأساة الحقيقية. فحين تُختزل البلاد في هوية مذهبية ضيقة، لا يعود هناك مجال لفكرة الوطن، بل تصبح الأرض نفسها امتداداً لصراع إقليمي بين مشاريع تتنازع النفوذ باسم الدين.

التعددية اليمنية قبل أن تتحول إلى خط جبهة

اليمن تاريخياً ليس بلداً أحادياً مذهبياً، ولم يكن يوماً ساحة صراع بين “شيعة” و“سنة” بالمفهوم التبسيطي الذي يُروَّج له في الإعلام الإقليمي. المجتمع اليمني تشكّل عبر قرون من التداخل بين الزيدية والشافعية، وبين المدن والقبائل، وبين المرجعيات المحلية والتأثيرات الخارجية. كانت هذه التعددية، رغم هشاشتها، جزءاً من التوازن الاجتماعي. غير أنّ الحرب دمّرت هذا التوازن، وسمحت للقوى المسلحة بتحويل الفروقات المذهبية إلى خطوط جبهة.

في الشمال، استغلت حركة الحوثيين انهيار الدولة لتوسيع مشروعها السياسي تحت غطاء ديني. وهنا يجب التوضيح: الحوثية ليست مجرد امتداد بسيط أو مباشر للتشيع الإيراني كما يُختصر أحياناً، لكنها أيضاً ليست حركة محلية بريئة منفصلة عن السياق الإقليمي. إنها مركّب أيديولوجي هجين: جذور زيدية محلية، معاد صياغتها داخل خطاب سياسي-عقائدي متأثر بوضوح بنموذج “الولاية”، وبثقافة التعبئة الثورية التي راكمتها إيران منذ 1979. هذا الخليط ليس مجرد اجتهاد فكري؛ إنه أداة سلطة. والحركة التي تبدأ بالدفاع عن الهوية الدينية تنتهي غالباً بإعادة تشكيل المجتمع بالقوة.

المشكلة ليست وجود تنوع مذهبي في اليمن، بل تحويل هذا التنوع إلى وقود للحرب وإلى شرعية للسلاح.

السردية كسلاح طويل الأمد

ما يُخيف في المشروع الحوثي ليس فقط السلاح، بل السردية. فكل مشروع سلطوي طويل الأمد يحتاج إلى رواية تبرّر له الاستمرار، والحوثيون بنوا روايتهم على ثلاث ركائز: المظلومية التاريخية، مقاومة “الوصاية الخارجية”، والاصطفاء الأخلاقي والسياسي. بهذه اللغة، يتمّ تحويل السيطرة العسكرية إلى واجب عقائدي، وتحويل الخصوم إلى “أدوات” أو “مرتزقة” أو “عملاء”. وهكذا تُلغى السياسة بوصفها تفاوضاً بين أطراف وطنية، ويُستبدل بها منطق الخلاص الديني والحرب المقدسة.

هذا ليس جديداً في الشرق الأوسط. إيران نفسها طوّرت منذ عقود نموذجاً دقيقاً لتصدير النفوذ عبر المذهب، لا عبر الاحتلال المباشر. إنها لا تحتاج دائماً إلى إرسال جيوشها؛ يكفيها بناء شبكات ولاء عقائدي، وتمويل مؤسسات دينية، ودعم مجموعات مسلحة، ثم تقديم المشروع على أنه “محور مقاومة”. في الحالة اليمنية، استُخدم هذا النموذج بذكاء: يتمّ دعم طرف محلي، ثم يُعاد صوغ خطابه وتدريبه وتعبئته ليبدو وكأنه تعبير طبيعي عن المجتمع، بينما هو في الواقع حامل لمشروع يتجاوز اليمن نفسه.

من هنا، يصبح السؤال الصعب: هل الحوثيون مجرد حركة يمنية لها تحالفات إقليمية، أم أنهم جزء من بنية أوسع تُدار منطقياً من طهران عبر منطق الحلفاء والوكلاء؟ الجواب الأكثر دقة هو أنّهم الاثنان معاً. هم محلياً، لكنهم ليسوا مستقلين تماماً؛ وهم يمنيّون في البنية الاجتماعية، لكنهم جزء من محور إقليمي يستخدم المظلومية المذهبية أداةً للتوسع. وهذا ما يجعل الخطر مضاعفاً. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود قوة مسلحة، بل في قدرتها على إعادة تعريف نفسها كحقيقة دينية وسياسية لا كفاعل سياسي عابر.

مفتاح القراءة

حين تصبح الجماعة المسلحة قادرة على تعريف نفسها كحقيقة دينية لا كفاعل سياسي، تصبح التسوية أصعب، لأن الخلاف ينتقل من المجال السياسي إلى مجال المعنى والهوية.

التطرف المقابل وغياب الدولة الجامعة

وفي الجهة المقابلة، لا يمكن تبرئة الساحة السنية اليمنية من الاختراقات. فالسنة في اليمن، خصوصاً في مناطق واسعة من الوسط والجنوب والشرق، وجدوا أنفسهم أيضاً تحت ضغط شديد من أفكار وافدة لا تعبّر بالضرورة عن روح المجتمع اليمني. لقد تسللت قراءات دينية متشددة من خارج البيئة المحلية، بعضها مرتبط بالمدرسة السلفية الراديكالية، وبعضها تشكّل في سياقات تمويل إقليمي وظف الدين كأداة مواجهة سياسية. هكذا أصبح جزء من الخطاب السني نفسه محمّلاً بتصوّرات مستوردة، لا تنسجم تماماً مع التقاليد اليمنية القائمة على التديّن الشعبي، والمرونة الفقهية، والتعايش التاريخي النسبي بين المكونات.

والأخطر أن هذا الاختراق السني لم يكن مجرد ظاهرة فكرية، بل تحوّل في بعض اللحظات إلى أداة تعبئة مضادة، أي إلى ردّ على الحوثية لا عبر بناء دولة جامعة، بل عبر إنتاج تشدد مقابل. وهنا يقع اليمن في فخّ مزدوج: تطرف مذهبي في الشمال، وردّ فعل مذهبي أو ديني متصلب في مناطق أخرى، بينما تضيع الدولة بين الطرفين. فحين تنعدم المؤسسة الوطنية القادرة على احتواء الجميع، تتكاثر “الشرعيات” الصغيرة: شرعية السلاح، وشرعية الفتوى، وشرعية القبيلة، وشرعية التمويل الخارجي.

النتيجة هي أنّ المجتمع اليمني يُدفع دفعاً إلى معركة لا يريدها في أصلها. غالبية اليمنيين لم يختاروا أن يتحولوا إلى جنود في حرب مذهبية، لكنهم وجدوا أنفسهم داخل سرديات جاهزة تُفرض عليهم من الأعلى. المواطن العادي في تعز أو إب أو صنعاء أو مأرب لا يسأل نفسه إن كان زيدياً أو شافعياً أولاً، بل يسأل: هل سيصلني الخبز؟ هل ستتوقف القذيفة؟ هل سأتمكن من إرسال ابني إلى المدرسة؟ هذا هو اليمن الحقيقي الذي غالباً ما يختفي خلف الضجيج الأيديولوجي. لكن النخب المسلحة لا تعيش على أسئلة الناس اليومية، بل على أسئلة الهوية الكبرى، لأنها الأكثر قابلية للتجييش.

إعادة كتابة التاريخ ومصادرة المستقبل

المشكلة الكبرى في التوظيف المذهبي أنّه لا يكتفي بإنتاج الاستقطاب، بل يُعيد كتابة التاريخ. فجأة تصبح مئات السنين من التعايش مجرد “انحراف”، ويصبح التنوع الذي شكّل اليمن مجرد “تلوث” يجب تطهيره. هذا خطاب خطير للغاية، لأنه لا يهدد الحاضر فقط، بل يصادر المستقبل أيضاً. فالمجتمع الذي يُقنع أبناءه بأن الآخر المذهبي خطر وجودي لن يستطيع بناء دولة مواطنة، ولن يستطيع حتى بناء هدنة طويلة الأمد. لأن الهدنة السياسية قد تُوقّع، لكن الحرب الرمزية تستمر في المدارس، والمنابر، والقنوات، والصفحات، والخطب، والمناهج.

وهنا يجب التوقّف عند البعد الإيراني تحديداً، لا بمعناه المذهبي فقط، بل بمعناه الجيوسياسي. إيران لا تتعامل مع المكونات الدينية في المنطقة بوصفها مجتمعات متجاورة، بل بوصفها أدوات تأثير. هي لا تسأل: ما الذي تحتاجه هذه المجتمعات كي تستقر؟ بل: كيف يمكن تحويل هذه الجماعة أو تلك إلى رافعة نفوذ؟ وفي اليمن، كانت الإجابة واضحة: دعم قوة محلية قابلة للتعبئة، ثم منحها خطاباً أوسع من بيئتها، لتصبح جزءاً من شبكة ضغط على الخليج، وعلى طرق الملاحة، وعلى الأمن الإقليمي. وعندما يصبح اليمني أداة في معركة لا تخصه بالكامل، فإن الهوية المحلية تُبتلع.

لكن يجب أيضاً قول شيء مهم: اختزال الأزمة اليمنية في “إيران ضد السعودية” أو “الشيعة ضد السنة” هو تبسيط يضر أكثر مما يفيد. نعم، الصراع الإقليمي حاضر بقوة، لكن جذور الانهيار أعمق: فساد الدولة السابقة، غياب العدالة، فشل التنمية، تهميش الأطراف، ضعف المؤسسات، وتوظيف الهوية من قبل النخب المحلية نفسها قبل أن تتدخل القوى الخارجية. أي أن الفراغ الداخلي هو الذي فتح الباب للخارج، لا العكس فقط. لو كانت الدولة اليمنية قوية وشرعية ومتماسكة، لما استطاعت أي قوة إقليمية أن تتغلغل بهذا الشكل السهل.

حرب على المعنى لا على السلطة فقط

من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد. الحوثية تتحمل مسؤولية كبيرة في تحويل الزيدية من تراث ديني محلي إلى مشروع سلطة عسكرية منغلق. وبعض النخب السنية تتحمل مسؤولية مماثلة حين سمحت بتسريب خطابات مستوردة لا تصنع مجتمعاً بل تصنع اصطفافاً. والدول الإقليمية تتحمل مسؤولية أعمق حين حولت اليمن إلى ساحة تصفية حسابات. أما المجتمع الدولي، فغالباً ما اكتفى بإدارة الكارثة لا بمنعها. كانت هناك بيانات، ومبعوثون، ومؤتمرات، لكن لم يكن هناك ضغط جدي لحماية المجتمع من التفكك المذهبي الذي يجري أمام العين.

إذا أردنا توصيفاً دقيقاً، فاليمن اليوم لا يعيش فقط حرباً أهلية، بل يعيش حرباً على المعنى. من يعرّف الدين؟ من يعرّف الوطنية؟ من يملك شرعية التمثيل؟ من يحدّد ما إذا كانت القبيلة حامية للمجتمع أم حاملة للسلاح؟ ومن يقرر إن كان الفقه سيبقى مرجعية أخلاقية أم سيتحوّل إلى غطاء للعنف؟ هذه الأسئلة هي قلب الأزمة، لأنها تكشف أن الصراع ليس على السلطة وحدها، بل على تشكيل الإنسان اليمني نفسه.

وهنا تكمن المأساة الأخطر: حين يصبح الطفل اليمني في بعض المناطق يتلقى التعليم الديني والسياسي على أساس أن خصمه المذهبي هو تهديد لوجوده، فإننا لا نكون أمام خلاف عابر يمكن تسويته في جولة مفاوضات. نحن أمام إنتاج طويل الأمد للكراهية. وهذه الكراهية، إذا استمرت، ستبقى بعد انتهاء الحرب، وربما أكثر خطراً من الحرب نفسها.

استعادة المجال الوطني

لذلك، فإن أي قراءة مسؤولة للوضع اليمني يجب أن ترفض الخطاب الطائفي من الجانبين. لا يجوز أن نساوي بين الضحية والجلاد، ولا أن نمحو الفروقات بين مشروع محلي متديّن ومشروع عابر للحدود، لكن لا يجوز أيضاً أن نقع في فخّ التعميم الذي يحوّل ملايين اليمنيين إلى صور نمطية. اليمن لا يحتاج إلى مزيد من التصنيف المذهبي، بل إلى استعادة المجال الوطني الذي يسمح لكل مكون بأن يكون جزءاً من الدولة لا بديلاً عنها.

الحكم الاستراتيجي

في النهاية، ليست المشكلة أن في اليمن زيدية وشافعية وسلفية وموروثات دينية متعددة؛ المشكلة أن هذه التعددية تحوّلت إلى وقود للحرب. والأخطر أن أطرافاً داخلية وخارجية وجدت مصلحتها في إبقاء هذا الوقود مشتعلًا. ما لم تُستعد الدولة، وما لم يُفكك الارتباط بين العقيدة والسلاح، وما لم يُوقف استيراد الإيديولوجيات التي لا تشبه المجتمع اليمني، فإن البلاد ستظل عالقة بين مشروع مذهبي لا يرى إلا نفسه، ومشروع مضاد لا يقلّ ضيقاً، بينما يظل اليمني العادي هو الخاسر الأكبر في معركة لم يخترها.