هناك حروب يتذكرها العالم، وحروب ينساها. حرب اليمن من الصنف الثاني. منذ 2015، حين تدخّل التحالف العربي بقيادة السعودية لمواجهة الحوثيين، تراكمت الكوارث بصمت: مجاعة، وباء، قصف، نزوح. لكن الكاميرات كانت في مكان آخر دائماً. هذا المقال محاولة لاستعادة ما تجاهله الخبر العاجل — الإنسان اليمني في مواجهة حرب لم يخترها.
جذور الأزمة: اليمن قبل 2015
لا تُفهَم حرب اليمن إلا في ضوء التاريخ الذي سبقها. اليمن الموحّد في 1990 جاء باتحاد هشّ بين الشمال السابق (اليمن العربي) والجنوب السابق (اليمن الديمقراطي الشعبي). الاتحاد شكلي في معظمه — لم تُبنَ مؤسسات فعلية مشتركة، ولم تُدمَج جيوش حقيقية، ولم تُحلّ الخلافات الاقتصادية الجوهرية.
ثلاث أزمات بنيوية قبل الحرب
الأزمة الاقتصادية: اليمن كان دائماً أفقر دول شبه الجزيرة العربية. احتياطيات النفط شحيحة ومتناقصة. الزراعة محدودة. والسكان يتضاعفون بمعدل يفوق نمو الاقتصاد. في 2010، كان 40% من اليمنيين دون خط الفقر. الأزمة السياسية: علي عبدالله صالح الذي حكم اليمن 33 عاماً وصف حكم اليمن بـ«الرقص على رؤوس الثعابين» — نظام قائم على الموازنة بين القبائل والفصائل والمصالح، لا على مؤسسات. أزمة الحوثيين: حركة أنصار الله (الحوثيون) التي ترتكز في صعدة شمال اليمن خاضت ست حروب مع الحكومة بين 2004 و2010، قبل أن تستغل فراغ 2011 لتتمدّد.
الأطفال: حين يُولَد الطفل في زمن الحرب
في اليمن، كل خمس دقائق يموت طفل بسبب أمراض يمكن الوقاية منها — كالإسهال والالتهاب الرئوي والملاريا. هذا ليس شعراً — هذا رقم صادر عن اليونيسف. في بلد يكاد يكون نصف سكانه دون الثامنة عشرة، الحرب ليست حدثاً خارجياً — إنها الواقع الوحيد الذي يعرفه جيل بأكمله.
الأطفال المجنّدون: أصغر ضحايا يُقاتلون
منظمة الأمم المتحدة وثّقت تجنيد أكثر من 4,000 طفل دون الثامنة عشرة في صفوف مختلف الأطراف المتحاربة — غالبيتهم مع الحوثيين، لكن قوات الحكومة وبعض المليشيات المدعومة سعودياً استخدمتهم أيضاً. الطفل الذي يُقاتل في سن الثانية عشرة لم يختر الحرب — جنّده الكبار باسم الدين أو القبيلة أو المال.
المدارس: أهداف أو ملاجئ أو دمار
منذ بدء الحرب، تضرّر أو دُمّر ما يزيد على 2,500 مدرسة في اليمن. ملايين الأطفال خارج المدارس. والأطفال الذين يُواظبون على الحضور يجلسون في فصول بلا أسقف أو بلا مواد تعليمية — في بلد كان معدّل تعليمه أصلاً من الأدنى في المنطقة.
الكارثة الإنسانية: الأرقام التي تُصعب التخيّل
الأمم المتحدة وصفت اليمن مرات عديدة بأنه «أسوأ أزمة إنسانية في العالم». لكن الأرقام الضخمة تُخدّر أحياناً أكثر مما تُوعّي. دعونا نُقرّبها بما يجعلها أكثر إدراكاً:
الجوع: مجاعة بالتقسيط
لم يمت 21 مليون يمني جوعاً في يوم واحد — ما يحدث أبطأ وأكثر إيلاماً. تراجع الدخل الحقيقي، انهيار العملة (الريال فقد 80% من قيمته)، وانقطاع الرواتب عن موظفي الدولة لسنوات أوصل ملايين إلى حافة سوء التغذية المزمن. 2.2 مليون طفل يعانون سوء التغذية الحاد — وهذا يعني: أدمغة لا تنمو بالشكل الطبيعي، وأجساد لا تُقاوم الأمراض.
الكوليرا: وباء بسبب الحرب
في 2017-2018، شهد اليمن أسوأ وباء كوليرا في التاريخ المعاصر: أكثر من مليوني حالة مشتبه بها. الكوليرا مرض يمكن الوقاية منه ببساطة — بمياه نظيفة وصرف صحي. لكن ضرب محطات المياه وتدمير البنية التحتية في الحرب جعل الوقاية مستحيلة. الوباء لم يأتِ من السماء — صنعته الحرب.
اليمن على طاولة القوى: حين يكون البلد ورقةً لا شعباً
لفهم لماذا لم تنتهِ الحرب بعد 12 سنة، يجب فهم من يستفيد من استمرارها.
إيران والحوثيون: الورقة الرابحة
إيران لم تُنشئ الحوثيين — لكنها وجدت فيهم ورقةً ثمينة: جماعة مسلحة تُهدّد الجانب الجنوبي للسعودية وتُراقب مضيق باب المندب. الدعم الإيراني (صواريخ، مسيّرات، خبراء) حوّل الحوثيين من جماعة محلية إلى لاعب إقليمي. التكلفة الإيرانية: زهيدة مقارنة بالضغط الذي يُمارَس على السعودية وخطوط الملاحة الدولية.
السعودية: تدخّل بلا خطة للخروج
حين تدخّلت السعودية عام 2015، قيل إن العملية ستستغرق «أسابيع». بعد عشر سنوات، الحرب لا تزال مستمرة. السعودية أنفقت ما يتجاوز 100 مليار دولار وفقدت مئات الجنود والمركبات — دون حسم عسكري. المشكلة: الخروج دون انتصار يبدو مُكلفاً سياسياً. البقاء أيضاً مُكلف. هذا هو الفخ الذي وقعت فيه الرياض.
«اليمن ليس مستنقعاً بالمعنى الاستراتيجي فحسب — إنه مستنقع إنساني، حيث كل سنة إضافية من الحرب تعني جيلاً آخر من الأطفال يكبر بلا تعليم ولا صحة ولا أمل.»— مارك لوكوك، وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الأسبق، 2024
الشرط الأول: إرادة سياسية سعودية إيرانية للتوصل لتسوية — وهذا يصبح ممكناً أكثر في سياق التطبيع 2023 والإرهاق المتبادل.
الشرط الثاني: قبول الحوثيين بتقاسم السلطة — وهو أمر يُقاومونه لأنهم باتوا يُسيطرون على 70% من السكان ويرون أنفسهم الرابحين.
الشرط الثالث — الأصعب: إعادة بناء الدولة اليمنية من الصفر — مؤسسات وجيش موحّد واقتصاد — في بلد دُمّر خلال عقد.
الواقع: السلام الشامل بعيد المنال. لكن هدنة مستدامة قادرة على وقف الموت اليومي هي الأولوية الإنسانية التي لا تحتمل التأجيل.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت