أفريقيا في قلب المنافسة الكبرى: قارّة بلا وصاية، ملعب جميع القوى
انسحبت فرنسا من الساحل، ودخلت روسيا بفاغنر، وتُوسّع الصين بنيتها التحتية، وتعود أمريكا متأخّرة. أفريقيا لم تعد ''هامش العالم''. إنّها ميدان اللعب الأكثر دينامية.
لفترة طويلة، نظرت القوى الكبرى إلى أفريقيا باعتبارها "هامشاً" للاستراتيجية العالمية. مصدراً للمواد الخام، ملعباً للدبلوماسية التنموية، لكن ليست مسرحاً للمواجهة الفعلية. هذا التصوّر انتهى. أفريقيا اليوم ميدان تنافس مفتوح بين ستّ قوى على الأقلّ: فرنسا، روسيا، الصين، أمريكا، تركيا، والإمارات.
ما يُميّز هذه المنافسة أنّها لا تجري وفق قواعد الحرب الباردة. لا معسكرات إيديولوجية واضحة، لا ولاءات مستقرّة. كلّ دولة أفريقية يُمكن أن تُوقّع اتفاقاً عسكريّاً مع موسكو وآخر اقتصاديّاً مع بكين وثالثاً تجاريّاً مع الإمارات، دون أن يرى أحد في ذلك تناقضاً.
انسحاب فرنسي، صعود روسي: القصّة الأهمّ
في أقلّ من خمس سنوات، خسرت فرنسا ما بنته منذ الاستقلالات: مالي ٢٠٢٢، بوركينا فاسو ٢٠٢٣، النيجر ٢٠٢٣، تشاد ٢٠٢٤، السنغال ٢٠٢٤-٢٠٢٥. خرجت القوّات الفرنسية، ودخلت فاغنر/أفريكا كوربس الروسية في أغلب هذه البلدان.
| القوّة | الأدوات الرئيسية | المنطقة المستهدفة | نقطة الضعف |
|---|---|---|---|
| الصين | بنية تحتية، قروض، تعدين | كلّ القارّة | انتقاد "فخّ الديون" |
| روسيا | عسكرية، فاغنر، سلاح رخيص | الساحل، ليبيا، إفريقيا الوسطى | موارد محدودة |
| فرنسا | تاريخ، لغة، فرانك إفريقي | غرب ووسط | إرث استعماري ثقيل |
| أمريكا | AFRICOM، قروض صندوق النقد | شرق + مكافحة إرهاب | بطء اتّخاذ القرار |
| تركيا | طائرات مسيّرة، دبلوماسية دينية | القرن الأفريقي، ليبيا | اقتصاد هشّ |
| الإمارات | موانئ، استثمار، ذهب | القرن الأفريقي، السودان | انتقاد التدخّل |
"أفريقيا اليوم لا تختار معسكراً. تختار ثمناً. ومن يدفع أفضل، يجد نفسه في صدر المجلس." — الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، ٢٠٢٤
حزام الانقلابات: ساحل جديد
منذ ٢٠٢٠، شهد الساحل الأفريقي أكثر من سبعة انقلابات عسكرية. هذه ليست صدفة. إنّها عرض لأزمة عميقة: فشل الدولة-الأمّة ما بعد الاستعمارية، تآكل الشرعية الانتخابية، وصعود أجيال ضبّاط شباب يرون في روسيا بديلاً عن "الوصاية الغربية". يمثّل هذا “الحزام” الممتد من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو، وصولاً إلى غينيا وتشاد، تحوّلاً بنيوياً في طبيعة السلطة السياسية في المنطقة. فالانقلابات لم تعد أحداثاً استثنائية، بل أصبحت نمطاً متكرّراً يعكس هشاشة المؤسسات أكثر مما يعكس طموحات فردية للسلطة. في العديد من هذه الدول، لم تعد الجيوش ترى نفسها حارسة للنظام فقط، بل بديلاً عنه حين يفشل في توفير الأمن أو الحد الأدنى من الخدمات. العامل الأمني يبقى المحرّك الأبرز. تصاعد الهجمات الجهادية، خصوصاً من جماعات مرتبطة بتنظيمي “القاعدة” و“داعش”، كشف حدود الاستراتيجيات المدعومة غربياً. عمليات عسكرية طويلة دون نتائج حاسمة، مقابل توسّع نفوذ الجماعات المسلحة في المناطق الريفية، خلق شعوراً عاماً بأن النخب الحاكمة فقدت السيطرة. في هذا الفراغ، قدّم الضباط أنفسهم كقوة “إنقاذ وطني”، مستفيدين من غضب شعبي حقيقي. لكن البعد الخارجي لا يقلّ أهمية. روسيا، عبر أدواتها العسكرية وشبكاتها الإعلامية، نجحت في استثمار هذا السخط، مقدّمة نفسها كشريك “غير مشروط”. الخطاب الذي يربط بين السيادة الوطنية ورفض النفوذ الفرنسي وجد صدى واسعاً، خاصة بين الشباب. في المقابل، بدا الغرب متردداً، متمسكاً بخطاب ديمقراطي فقد الكثير من مصداقيته في نظر قطاعات واسعة من السكان. اقتصادياً، تعاني دول الحزام من ضغوط هائلة: تضخّم، بطالة، واعتماد كبير على صادرات أولية غير مستقرة. هذا الواقع يجعل أي نظام مدني عرضة للاهتزاز السريع، ويمنح الأنظمة العسكرية هامشاً زمنياً لتثبيت نفسها تحت شعار “إعادة الاستقرار”. غير أنّ التجارب السابقة في أفريقيا تُظهر أن الحكم العسكري نادراً ما ينجح في بناء مؤسسات مستدامة. ما يتشكّل اليوم ليس مجرد سلسلة انقلابات، بل إعادة رسم لخريطة النفوذ في الساحل. منطقة كانت تُدار لعقود ضمن منظومة فرنكوفونية أصبحت مفتوحة أمام تعددية شركاء وتنافس حادّ على الموارد والمواقع الاستراتيجية. السؤال لم يعد هل ستتوقّف الانقلابات، بل ما إذا كان هذا الحزام سيتحوّل إلى نموذج حكم جديد طويل الأمد، أم إلى مرحلة انتقالية أكثر اضطراباً.
المعادن الحيوية: الرهان الخفيّ
الكونغو الديمقراطية وحدها تُنتج ٧٠٪ من الكوبالت العالمي. زامبيا وغينيا تملكان احتياطيّات ضخمة من النحاس والبوكسيت. كلّ سيّارة كهربائية في أوروبا أو أمريكا تحوي معادن أفريقية. هذا ما يجعل المنافسة أفريقيا بُعداً صناعيّاً لا يمكن تجاهله.
الاتحاد الأفريقي: الطرف المنسيّ في معادلته
رغم المنافسة الخارجية، فإنّ ما يُميّز العقد الأخير هو صعود الصوت الأفريقي ذاته. الاتحاد الأفريقي يعمل على نطاق تجارة قارّية (ZLECAf)، والوعي الجيوسياسي لدى الشباب الأفريقي يتسارع. مستقبل القارّة لا يُكتب في موسكو أو بكين أو باريس، بل يُكتب تدريجيّاً في أديس أبابا ولاغوس ونيروبي.
السيناريوهات الأفريقية لعام ٢٠٣٥
أفريقيا المتعدّدة المحاور
استمرار التنويع: كلّ دولة أفريقية تُفاوض شركاءها وفق مصالحها، بلا كتلة موحّدة. النموذج الحالي يستمرّ.
صعود كتلة أفريقية
الاتحاد الأفريقي يتحوّل إلى لاعب جيوسياسي حقيقي. منطقة تجارة حرّة تُنتج ثقلاً اقتصاديّاً موحّداً.
تفتّت وانهيار
تصاعد انقلابات وحروب أهلية يحوّل أجزاء من القارّة إلى مناطق فوضى، تستخدمها القوى الخارجية ساحات بالوكالة.