القوة الناعمة - مصطلح صاغه المنظّر الأمريكي جوزيف ناي عام 1990 ليصف قدرة دولة على الإقناع والجذب بدل الإكراه والإنفاق العسكري - هي الساحة التي لا تزال فيها الولايات المتحدة متقدمة على الصين بمراحل، رغم أن بكين تُنفق عليها مبالغ تُضاهي ميزانيات دول بأكملها. ورغم هذا الإنفاق الضخم، تكشف استطلاعات الرأي العالمية المتكررة عن صورة صينية تتراجع في معظم مناطق العالم الغربي والآسيوي المتقدم، حتى وهي تتحسّن في أجزاء أخرى من الجنوب العالمي.
المفارقة أن الصين تمتلك كل المقوّمات الخام للقوة الناعمة: حضارة عمرها آلاف السنين، مطبخ وفنون قتالية وسينما وموسيقى انتشرت عالمياً منذ عقود، واقتصاد أصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم. لكن تحويل هذا الرصيد الثقافي الهائل إلى نفوذ سياسي فعلي - إلى قدرة على جعل حكومات وشعوب أخرى تتبنّى الرؤية الصينية للعالم طواعية - أثبت أنه أصعب بكثير مما توقّعه المخطّطون في بكين.
١ أدوات القوة الناعمة الصينية: ترسانة بلا مثيل في الحجم
منذ منتصف العقد الأول من الألفية، بنت بكين أوسع منظومة أدوات ثقافية ودبلوماسية شهدها العالم منذ الحرب الباردة. معاهد كونفوشيوس انتشرت في أكثر من 160 دولة لتعليم اللغة الصينية والثقافة، بتمويل مباشر من الحكومة عبر الجامعات المضيفة. CGTN، الذراع الإعلامية الدولية للتلفزيون الصيني الحكومي، تبثّ بأكثر من ست لغات من مكاتب في نيروبي وواشنطن ولندن، في محاولة صريحة لمنافسة BBC وCNN على سرد الأحداث العالمية من منظور بكين.
مبادرة الحزام والطريق (BRI)، التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ عام 2013، ليست مجرد مشروع بنية تحتية - إنها أداة قوة ناعمة بامتياز: كل ميناء وسكة حديد ومحطة كهرباء تموّلها الصين تترك خلفها امتناناً سياسياً وشبكة علاقات يصعب على منافسين مثل واشنطن أو بروكسل مجاراتها بالسرعة نفسها. تُضاف إلى ذلك المنح الدراسية للطلاب الأجانب (عشرات الآلاف سنوياً، ما يجعل الصين من أكبر وجهات الطلاب الأفارقة تحديداً)، والدبلوماسية الرياضية عبر استضافة الأولمبياد وكأس العالم لكرة القدم مستقبلاً، وأداة أقدم وأكثر رمزية من كل ذلك: دبلوماسية الباندا، حيث تُهدي أو "تُعير" بكين دببة الباندا العملاقة لحدائق الحيوان الأجنبية كإيماءة صداقة تعود جذورها إلى سبعينيات القرن الماضي.
الجبهة الأحدث والأسرع نمواً هي الثقافة الشعبية الرقمية: تطبيق تيك توك (نسخة دولية من تطبيق دويين الصيني، وكلاهما مملوك لشركة بايت دانس) أصبح أكثر تطبيق تحمّلاً في العالم بين المراهقين والشباب، فيما تتوسّع الألعاب الإلكترونية الصينية والمسلسلات القصيرة والروايات الرقمية في أسواق لم يكن للثقافة الصينية فيها حضور يُذكر قبل عقد واحد فقط.
اتساع هذه الاستراتيجية يظهر في أرقامها: أكثر من 160 دولة تستضيف معهد كونفوشيوس واحداً على الأقل، شبكة تُعدّ الأوسع من نوعها لأي بلد في العالم. شبكة CGTN الصينية تبثّ بست لغات مختلفة لتغطية جمهور عالمي متنوع. مصطلح "القوة الناعمة" نفسه صاغه الأكاديمي الأمريكي جوزيف ناي عام 1990، قبل أن تتبنّاه بكين كإطار نظري لاستراتيجيتها الثقافية. ومبادرة الحزام والطريق التي أُطلقت عام 2013 تبقى الذراع الاقتصادية الأضخم لهذا النفوذ، رابطة بين البنية التحتية والنفوذ الثقافي في آنٍ واحد.
٢ من "إخفاء القوة" إلى "دبلوماسية الذئب المحارب"
لفهم أزمة الصورة الصينية الحالية، لا بد من العودة إلى تحوّل جوهري في العقيدة الدبلوماسية. لعقود بعد دنغ شياو بينغ، اتّبعت بكين مبدأ "إخفاء القوة وانتظار الوقت المناسب" - دبلوماسية هادئة، غير استفزازية، تتجنب الصدام العلني وتُراكم النفوذ في الظل. هذا النهج بدأ يتغيّر تدريجياً مع صعود شي جين بينغ عام 2012، وتسارع بشكل لافت بعد 2020، حين تبنّى دبلوماسيون صينيون أسلوباً هجومياً وحاداً في الرد على الانتقادات الغربية، أُطلق عليه إعلامياً اسم "دبلوماسية الذئب المحارب" نسبة إلى سلسلة أفلام أكشن صينية وطنية شهيرة.
هذا التحوّل، الذي قُصد منه إظهار صين واثقة لا تقبل الإملاءات، أنتج نتيجة عكسية في كثير من الأحيان: بيانات حادة من سفراء صينيين على منصات التواصل الاجتماعي، ونزاعات دبلوماسية علنية مع أستراليا وكندا والسويد ودول أوروبية أخرى، عزّزت في أذهان كثير من الجماهير الغربية صورة قوة صاعدة وعدائية بدل صورة شريك جذّاب - وهو بالضبط عكس ما تسعى إليه أي استراتيجية قوة ناعمة ناجحة.
٣ لماذا تتعثر القوة الناعمة الصينية؟ عقبات هيكلية لا تُحل بالتمويل
عام 2017، صاغت مؤسسة "الوقف الوطني للديمقراطية" الأمريكية مصطلحاً أصبح مرجعياً في الأدبيات الأكاديمية: "القوة الحادة" (Sharp Power) - للتمييز بين النفوذ الذي يجذب طواعية (القوة الناعمة الحقيقية) والنفوذ الذي يتلاعب أو يُقيّد أو يُخترق خفية (القوة الحادة). وفق هذا التوصيف، كثير مما تُصنّفه بكين كقوة ناعمة يُنظر إليه في الغرب كقوة حادة: معاهد كونفوشيوس اتُّهمت بفرض قيود على حرية النقاش الأكاديمي حول قضايا حساسة كتايوان والتبت وتيانانمن، ما أدى إلى موجة إغلاقات واسعة - السويد أغلقت جميع معاهدها بحلول 2020 لتصبح أول دولة أوروبية تفعل ذلك بالكامل، تلتها إغلاقات جزئية في ألمانيا وبلجيكا وهولندا، فيما تراجع عدد المعاهد العاملة في الجامعات الأمريكية من أكثر من مئة إلى أقل من عشرة خلال سنوات قليلة بعد ضغوط تشريعية في الكونغرس.
الأزمات المتكررة ألحقت أضراراً فادحة بالصورة العالمية: الغموض حول منشأ فيروس كورونا وتعامل بكين الأولي مع الشفافية، القمع الأمني في هونغ كونغ بعد احتجاجات 2019 وفرض قانون الأمن القومي، ومعسكرات الاعتقال الجماعي للإيغور في شينجيانغ التي وثّقتها منظمات حقوقية دولية متعددة - كل هذه الملفات تحوّلت إلى عبء دائم يُذكَّر به الرأي العام الغربي كلما حاولت بكين تسويق صورة "الشريك المسؤول". الرقابة الداخلية الصارمة تُضعف أيضاً القدرة التنافسية للمحتوى الثقافي الصيني نفسه: صناعة سينما وألعاب خاضعة لرقابة الحزب الشيوعي تجد صعوبة بنيوية في إنتاج محتوى يُنافس هوليوود أو نتفليكس أو الموسيقى الغربية على مستوى الجاذبية والانفتاح، لأن الجاذبية الثقافية عادة ما تزدهر في بيئات إبداعية حرة لا مقيّدة. وأخيراً، تبقى صعوبة اللغة الصينية عائقاً بنيوياً يحدّ من انتشار المحتوى الثقافي مقارنة بلغات أكثر سهولة انتشرت عبر الاستعمار والهيمنة الإعلامية التاريخية كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
الصين تتحكم بدقة في ما يقوله ويُشاهده مواطنوها داخل البلاد عبر جدار ناري إلكتروني ورقابة إعلامية صارمة - وهذا النظام المغلق نفسه، المصمَّم لحماية استقرار الحزب، يُضعف قدرة البلاد على إنتاج محتوى ثقافي جذّاب وحر ينافس عالمياً. بعبارة أخرى: الأداة التي تحمي بكين سياسياً في الداخل هي نفسها التي تحدّ من نفوذها الثقافي في الخارج.
٤ الدرس الكوري: كيف نجحت سيول حيث تعثرت بكين؟
المقارنة الأكثر إفادة ليست بين الصين والولايات المتحدة، بل بين الصين وجارتها الأصغر بكثير: كوريا الجنوبية. فبعد الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، اختارت الحكومة الكورية الاستثمار المنهجي في التصدير الثقافي كأداة تنويع اقتصادي وسياسي - وهي استراتيجية حكومية مدروسة، ليست عفوية بالكامل، لكنها اختارت دعم صناعة إبداعية شبه حرة بدل إنتاج محتوى دعائي مباشر. النتيجة: موجة "الهاليو" الكورية غزت العالم دون أن تبدو يوماً كدعاية حكومية - من فرقة BTS التي حطّمت أرقام المبيعات العالمية، إلى مسلسل "لعبة الحبّار" الذي أصبح الأكثر مشاهدة في تاريخ نتفليكس، وصولاً إلى فيلم "باراسايت" الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم عام 2020 كأول فيلم غير ناطق بالإنجليزية يحقق هذا الإنجاز.
الفارق الجوهري ليس في حجم الإنفاق - فميزانية سيول للقوة الناعمة تبدو ضئيلة أمام عشرات المليارات الصينية - بل في النموذج نفسه: كوريا الجنوبية سمحت لصناعتها الإبداعية بهامش حرية كافٍ لإنتاج محتوى يجذب جماهير عالمية طواعية، بينما ظلّت الصين حبيسة نموذج القوة الناعمة المُصمَّمة والمُراقَبة من فوق. هذا يُثبت أن المشكلة الصينية ليست في نقص الموارد أو الطموح، بل في تناقض بنيوي بين نظام سياسي مغلق وهدف يتطلّب بحكم تعريفه انفتاحاً وجاذبية عضوية.
٥ الاستثناء: الجنوب العالمي يرى صورة مختلفة تماماً
في دول الجنوب العالمي - خاصة أفريقيا وأجزاء من آسيا وأمريكا اللاتينية - الصورة الصينية أفضل بكثير مما هي عليه في الغرب، وأحياناً إيجابية بشكل صريح. استطلاعات الرأي المتكررة التي تُجريها مراكز أبحاث دولية تُظهر باستمرار فجوة إدراك حادة: بينما تتراجع نظرة الإيجابية تجاه الصين في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان وأستراليا، تبقى مرتفعة نسبياً في كينيا ونيجيريا وإندونيسيا وعدد من دول أمريكا اللاتينية.
هذا الفارق ليس صدفة: الاستثمارات الصينية المرئية والملموسة - سكك حديدية وموانئ ومحطات كهرباء وطرقات - تُترجم مباشرة إلى تقدير شعبي في مناطق طالما شعرت بالإهمال من القوى الغربية التقليدية. مثال بارز: خط سكة حديد "المعيار" (SGR) الذي موّلته وبنته الصين بين مومباسا ونيروبي في كينيا وافتُتح عام 2017، أصبح رمزاً للتنمية السريعة رغم انتقادات حول أعباء الديون المصاحبة له. مثال أكثر رمزية: مقرّ الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، الذي بنته الصين بالكامل وأهدته للاتحاد عام 2012 - رغم أن الهدية نفسها تحوّلت لاحقاً إلى قصة تحذيرية بعد تقارير صحفية فرنسية عام 2018 زعمت اختراقاً إلكترونياً لخوادم المبنى، وهو ما نفته بكين بشدة. جيبوتي، التي تستضيف أول قاعدة عسكرية صينية في الخارج منذ 2017 إلى جانب استثمارات موانئ ضخمة، تلخّص كيف تتشابك القوة الناعمة الصينية بالقوة الصلبة في هذه المنطقة من العالم أكثر من أي مكان آخر.
هذا الجمهور الجنوبي مختلف جوهرياً عن الجمهور الغربي: أولوياته التنموية والاقتصادية أكثر إلحاحاً من قضايا الحوكمة وحقوق الإنسان التي تهيمن على النقاش الغربي حول الصين. وهذا بالضبط ما يجعل "الجنوب العالمي" الساحة الوحيدة التي تحقق فيها استراتيجية بكين نتائج تقترب من أهدافها المُعلنة.
الصين تُنفق عشرات المليارات على القوة الناعمة لكنها تُفقدها بنفسها عبر قراراتها السياسية الداخلية والخارجية. القوة الناعمة لا تُبنى بالتمويل وحده ولا بالمؤسسات الحكومية المباشرة - بل بجاذبية حقيقية يصعب تصنيعها من فوق في دولة ذات نظام سياسي مغلق. نموذج كوريا الجنوبية يُثبت أن الحل ليس مستحيلاً، لكنه يتطلّب تنازلاً عن قدر من السيطرة المركزية على المحتوى الثقافي - وهو تنازل لا يبدو أن بكين مستعدة لتقديمه في المدى المنظور. النتيجة المرجّحة: قوة ناعمة صينية فعّالة إقليمياً في الجنوب العالمي، لكنها تبقى محدودة التأثير في الغرب طالما استمر هذا التناقض البنيوي.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
