في أغسطس 2022، أدّى غوستافو بيترو اليميناً رئيساً لكولومبيا — أول رئيس يساري في تاريخ بلد كان لعقود متراساً محافظاً وحليفاً وثيقاً لواشنطن في «حرب المخدرات». الحدث كان رمزياً، لكن ما تلاه كشف أن تغيير الرئيس لا يعني تغيير بنية السلطة في دولة تتجذّر فيها الميليشيات والكارتيلات والمصالح الكبرى بعمق يتجاوز أي ولاية رئاسية. في 2026، كولومبيا تمثّل مختبراً حياً لأحد أصعب التحولات في أمريكا اللاتينية: هل يُمكن بناء سلام مُستدام في ظل بنية اقتصادية تعتمد جزئياً على تجارة المخدرات، وجيران مضطربين، وتنافس دولي متصاعد؟
اتفاق 2016: ما أنجز وما تعثّر
اتفاق السلام الموقَّع في هافانا بين حكومة سانتوس وقوات FARC كان إنجازاً تاريخياً: وضع حداً لأطول صراع مسلح في تاريخ أمريكا اللاتينية، ونزع أسلحة أكثر من 13,000 مقاتل. لكن التطبيق الفعلي جاء أقل بكثير مما وُعد به. مناطق التجمّع لم تتحوّل إلى تنمية حقيقية، وأكثر من 340 عضواً سابقاً في FARC اغتيلوا منذ توقيع الاتفاق، وفي كل منطقة أخلتها FARC ملأت مجموعات جديدة الفراغ بسرعة مُحرجة.
الفراغ الذي ملأ نفسه: ما بعد FARC
ما كشفه السلام هو حقيقة مؤلمة: FARC كانت تُسيطر على مناطق ريفية لم تبلغها الدولة فعلاً. مجموعة ELN التي رفضت السلام تحوّلت إلى اللاعب الأقوى في عدة مناطق. منشقّو FARC الذين رفضوا نزع السلاح ينشطون تحت تسميات جديدة. وكارتيلات المخدرات الصغيرة تتمدد. أعداد ضحايا العنف الريفي في 2024-2025 عادت للارتفاع بعد سنوات من التراجع.
📊 تحليل — بيترو والمحاور الخارجية
سياسة بيترو الخارجية كسرت تقليداً راسخاً: استعادة العلاقات مع فنزويلا مادورو (كانت مقطوعة)، تفاوض مع ELN بوساطة نورويجية وكوبية، وتعديل نبرة العلاقة مع واشنطن دون قطعها. هذا «التوازن» يُقلق الولايات المتحدة التي تعتبر كولومبيا حليفها الأوثق في أمريكا الجنوبية.
كولومبيا والمحيط الإقليمي: ضغوط من كل اتجاه
فنزويلا إلى الشرق تُصدّر أزمتها مباشرةً: أكثر من 2.5 مليون فنزويلي لجأوا لكولومبيا، مشكّلين ضغطاً على الخدمات وتوترات اجتماعية. إكوادور الغربية تعاني من عنف الكارتيلات المرتبط بشبكات عابرة للحدود الكولومبية. وبنما في الشمال تواجه أزمة «داريان غاب» المستمرة حيث يعبر مئات الآلاف سنوياً ضمن مسار يبدأ كثيراً من كولومبيا.
⚠️ ملاحظة استراتيجية
كولومبيا هي الحليف الاستراتيجي الأكثر أهمية للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية — وفي الوقت ذاته تمتلك حدوداً مع دولتَين تحت نفوذ روسي-صيني متزايد. توازن بيترو بين بوغوتا وكاراكاس يُثير سؤالاً جدياً في واشنطن: إلى أين تنحاز كولومبيا في حال تصاعد التنافس الجيوسياسي في المنطقة؟
ثلاثة مسارات لكولومبيا 2026-2030
اتفاق شامل مع ELN + تنمية ريفية فعلية
مفاوضات بيترو مع ELN تُفضي إلى اتفاق صامد. الاستثمار في المناطق الريفية يُقلّص الفراغ الذي تملأه المجموعات المسلحة. كولومبيا تبدأ تنويعاً اقتصادياً يُقلّص الاعتماد على الكوكايين.
تفاوضات لا تنتهي وعنف لا ينتهي
كولومبيا تستمر في مسار «السلام والحرب» معاً. الاقتصاد ينمو في المدن لكن الريف يبقى منطقة رمادية. الاستقرار حضري الطابع ولا يصل إلى العمق الجغرافي.
فشل إصلاحات بيترو + تصاعد العنف
الإصلاحات تتعثّر أمام معارضة البرلمان. العنف الريفي يرتفع. منشقّو FARC يُعيدون تنظيم أنفسهم. كولومبيا تتراجع في مؤشرات الأمن.
كولومبيا لن تنهار — لكنها لن تستقر بالكامل قريباً. البنية الجيوسياسية تُنتج توازناً هشاً بين قوى لا تُريد الحرب الشاملة ولكنها لا تقبل بالسلم الكامل. الدولة بحاجة إلى توسّع جغرافي حقيقي — أن تصل إلى مناطق لم تطأها منذ الاستقلال.
المتغير الأكثر تأثيراً لن يكون التفاوض مع ELN بل السؤال الاقتصادي: هل تستطيع كولومبيا إيجاد نموذج تنموي يجعل زراعة الكوكا أقل جاذبية من الاقتصاد الرسمي؟
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت