في يناير 2024، أصدرت الحكومة السويدية كتيّباً صغيراً بعنوان «إذا جاءت الأزمة أو الحرب» وأرسلته إلى كل أسرة في المملكة — أربعة ملايين ونصف نسخة. الكتيّب يُشرح بلغة هادئة ومباشرة كيف يُخزَّن الطعام لأسبوع، وأين تُلتمس ملاجئ الحرب في المدن الكبرى، وكيف يُتصرَّف حين تنقطع الكهرباء أو تتوقف الاتصالات. لم يُثر الكتيّب هلعاً جماعياً — لكنه أرسل رسالة سياسية قاطعة: الدولة السويدية تُؤمن بأن الحرب ليست مجرد تاريخ.
السويد ليست وحدها. فنلندا — التي لم تتخلّ قط عن نظام التجنيد الإلزامي رغم الضغوط — باتت مثالاً يُحتذى به في أروقة الناتو. ألمانيا تُعيد النقاش حول إلغاء قرار 2011 بتعليق التجنيد. فرنسا تُطوّر نظام «الاحتياط الوطني العملياتي». وفي بريطانيا، ما زالت الأحزاب تتجنّب قول الكلمة الصعبة بصوت عالٍ — لكن تقارير لجان الدفاع البرلمانية تقولها بوضوح: القوة البشرية العسكرية البريطانية ليست كافية لأي سيناريو حرب شاملة.
من أين جاء الخوف الأوروبي؟
السياق يُفسّر كل شيء. في فبراير 2022، أيقظ الغزو الروسي الكامل لأوكرانيا أوروبا من قيلولة ما بعد الحرب الباردة. الأمن الذي كان يُعدّ حقاً مكتسباً، والجيوش التي تقلّصت منذ 1991 حتى كادت تكون جيوشاً للمشاركة في بعثات دولية لا للدفاع الوطني، والمجتمعات التي نشأت جيلاً كاملاً لا يعرف الحرب إلا من الشاشات — كل هذا اصطدم فجأة بجارة أوروبية تحترق.
ما زاد عمق الصدمة ليس ما حدث في أوكرانيا فحسب، بل ما يمكن أن يحدث بعده. تصريحات المسؤولين الروس عن «المصالح الأمنية» التي تمتد إلى دول البلطيق. الاستهداف الهجين للبنية التحتية الأوروبية. وما يصفه الاستراتيجيون بـ«نافذة الفرص»: الفترة بين 2025 و2030 حين يمكن لموسكو — إذا أعادت قوتها العسكرية — أن تختبر مادة الناتو الخامسة.
عودة التجنيد الإجباري: الكلمة التي لا تُقال بسهولة
ألغت معظم الديمقراطيات الغربية التجنيد الإجباري في أعقاب الحرب الباردة — ألمانيا في 2011، فرنسا في 1996، بريطانيا في 1960. القرارات كانت اقتصادية وسياسية معاً: الجيوش المهنية أكثر كفاءة وأقل تكلفة سياسية. لكن المعادلة تغيّرت.
السويد أعادت التجنيد الإجباري عام 2017، قبل سنوات من الغزو الأوكراني. النرويج تُطبّقه على الجنسَين. لاتفيا وإستونيا وليتوانيا أعادت نظامها منذ 2015. في ألمانيا، طرحت وزيرة الدفاع خطة «خدمة عسكرية اختيارية مُحفَّزة» في 2025 خشية ردّ الفعل الشعبي على الإجبارية الكاملة. في فرنسا، برنامج «الخدمة الوطنية الشاملة» الذي أطلقه ماكرون 2019 لا يزال طوعياً لكن الضغوط لجعله إلزامياً تتصاعد.
📊 تحليل — مشهد التجنيد الأوروبي في 2026
ست دول أعضاء في الناتو تُطبّق التجنيد الإجباري: النرويج، السويد، فنلندا، اليونان، الدنمارك، إستونيا، لاتفيا، وليتوانيا. خمس دول تدرس إعادته أو توسيعه: ألمانيا، فرنسا، بولندا، رومانيا، تشيكيا. بريطانيا تقترح نموذجاً من الخدمة المدنية شبه الإلزامية. إيطاليا وإسبانيا لا يزالان بعيدَين عن النقاش الجدي.
ما وراء الجيش: التعبئة المدنية الشاملة
الدرس الأوكراني الذي يتردد أكثر من غيره في أروقة الناتو ليس التكتيك العسكري — بل المقاومة المدنية. مدن كهاركيف وماريوبول وباخموت أظهرت أن المجتمع المدني المتماسك يُمثّل عامل ردع وصمود لا يعوّضه أي نظام أسلحة. الدبلوماسيون والجنرالات يُدركون أن الحرب الحديثة — لا سيما الهجينة منها — تستهدف إرادة المجتمع قبل أن تستهدف جيشه.
فنلندا نموذج راسخ في هذا المجال: نظام الدفاع الشامل الفنلندي يُدمج الجيش والشرطة وإدارات الطوارئ والمجتمع المدني في منظومة استجابة موحّدة تعمل وفق خطط تدريبية دورية صارمة. كل مواطن فنلندي يعلم ما دوره في الطوارئ، وأين يذهب، وكيف يُبلّغ عن التهديدات. هذا النموذج أصبح مرجعاً تسعى دول أوروبية كثيرة إلى محاكاته.
سيكولوجيا الجاهزية: مجتمعات تُعيد اكتشاف الخوف الحقيقي
الإشكالية العميقة في مسار التعبئة الأوروبية ليست لوجستية — بل نفسية اجتماعية. الأجيال التي وُلدت بعد 1980 في أوروبا الغربية نشأت في أمن غير مسبوق. لم تعرف حرباً على الأراضي الوطنية، ولم تُجبَر على التضحية بمصالح شخصية من أجل أمن جماعي. الحرب في تجربتهم الحياتية مسلسل على نتفليكس أو خبر في نشرة إخبارية من بلد بعيد.
حين تُطلب منهم اليوم جاهزية للتضحية — قبول تجنيد إجباري، تعلّم إخلاء الملاجئ، تخزين طعام للطوارئ — تصطدم السياسة الحكومية بسؤال جيلي عميق: ما الذي يستحق التضحية من أجله؟ الإجابة عن هذا السؤال أهم بكثير من أعداد الدبابات.
أين تنتهي الدولة وتبدأ حرية الفرد؟
أعمق الإشكاليات في مشروع التعبئة الأوروبية هي التوتر الجوهري بين مبدأَين: الأمن الجماعي الذي يستلزم تنازلات فردية، والحرية الفردية التي تُشكّل إحدى الركائز الهوياتية للمشروع الأوروبي. من حق الدولة إجبار المواطن على حمل السلاح؟ إلى أي حدّ يمكن تقييد حرية التنقل والإعلام في حالة الطوارئ؟
هذه التساؤلات لم تُطرح بجدية منذ الحرب الباردة. الآن تعود إلى الواجهة، في مجتمعات متعددة الهويات والانتماءات، مع مواطنين من أصول مهاجرة تمتد جذورهم إلى دول تكون أحياناً في الجانب الآخر من النزاع. هذا التعقيد لا يُلغي ضرورة التعبئة — لكنه يجعلها أصعب كثيراً مما كانت في عصر الدولة القومية المتجانسة.
polô
تحليلات معمّقة في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية — نقرأ العالم بعيون مستقلة.