في سبتمبر 2022، انفجر خط نورد ستريم في أعماق بحر البلطيق. في أغسطس 2023، أُفيد بتلف كابل بحري بين فنلندا وإستونيا. في يناير 2024، اشتعلت حرائق في مستودعَين للذخيرة في ألمانيا وبولندا في غضون أسبوع. في مارس 2024، أُلقي القبض على شبكة متهمة بالتجسس لصالح روسيا في مصنع دفاعي ألماني. في أبريل 2025، أُفيد بتعطّل نظام الملاحة الجوية في مطارَين بالتيك في وقت واحد بسبب تشويش GPS.
كل حادثة بمعزل يمكن تفسيرها. المجتمعة، تُشكّل نمطاً يصعب على المسؤولين الغربيين إنكاره: أوروبا تعيش حرباً لا يُشير إليها أحد بالاسم الصريح. ليس لأنها غير موجودة، بل لأن تسميتها «حرباً» تستلزم ردَّ فعل لا تزال الحكومات الأوروبية متترددة في تحمّل تبعاته السياسية والأمنية.
كيف تعمل الحرب الهجينة الروسية في أوروبا؟
الاستراتيجية الروسية في الفضاء الأوروبي لها ملامح محددة يُمكن تحديدها عبر قراءة النمط لا الحادثة الفردية. أولاً: استهداف ما يؤلم دون ما يُثبت — البنية التحتية الحيوية التي يصعب نسب الهجوم إليها رسمياً (أنابيب، كابلات، شبكات كهرباء). ثانياً: توظيف وسطاء من الإجرام المنظم أو المتطرفين المحليين لتنفيذ العمليات مع الإبقاء على مسافة إنكار معقول. ثالثاً: الحرب النفسية المصاحبة — نشر المعلومات المُضلّلة لتضخيم الخوف وتعميق الانقسامات السياسية الداخلية.
📊 تحليل — الحوادث الموثّقة في أوروبا 2022-2026
رصد مركز أبحاث السياسة الأوروبية «ECFR» خلال الفترة 2022-2025 ما يزيد على مئة وثلاثين حادثة مشبوهة تستهدف البنية التحتية الأوروبية أو تنطوي على عمليات تأثير روسية محتملة. أكثر من ستين بالمئة منها يستهدف دول الجناح الشرقي للناتو: بولندا، دول البلطيق، رومانيا، فنلندا. وعشرون بالمئة تستهدف دولاً أوروبية غربية كألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
حين تتراكم «المصادفات»
الدول الأوروبية والناتو يواجهون معضلة إعلامية وسياسية حقيقية. كل حادثة فردية يمكن تفسيرها بسبب مُحايد: عطل تقني، إهمال صناعي، حريق مصادفة. لكن تراكم هذه الحوادث في فترة زمنية وجغرافية محدودة مع تشابه الأسلوب والاستهداف يجعل التفسير العشوائي مرفوضاً علمياً.
المأزق السياسي هو أن الاتهام الرسمي لروسيا — دون أدلة دامغة علنية — يُعرّض المتهِم لانتقادات عدائية تُضعف مصداقيته، ويُعقّد المسار الدبلوماسي لأي محاولة للتفاوض. أما الصمت فيُرسّخ مبدأ الإفلات من العقاب ويُشجّع على المزيد.
معضلة الناتو: الردع على ما لا يُعلَن
حلف الناتو بُنيت عقيدته الدفاعية على مبدأ الردع الكلاسيكي: إن تجاوزت خطاً أحمر واضحاً، ستدفع ثمناً واضحاً. المادة الخامسة من ميثاق الحلف تُفعَّل بـ«الهجوم المسلح» — تعريف لا يُغطّي الكابل البحري المقطوع، ولا مستودع الذخيرة المشتعل، ولا نظام الملاحة الجوية المُشوَّش. هذه الثغرة البنيوية هي ما يستغله الجانب الروسي بذكاء: البقاء تحت عتبة المادة الخامسة مع تحقيق تأثير استراتيجي فوق العتبة.
⚠️ ملاحظة استراتيجية
في قمة الناتو في واشنطن 2024، اعتُمد مفهوم «حماية البنية التحتية الحيوية» رسمياً كأولوية أمنية. لكن الهوّة بين التصريح والتنفيذ لا تزال واسعة: لا تعريف قانونياً مُلزِماً لـ«الهجوم الهجين» الذي يستوجب ردّاً جماعياً، ولا آلية موحّدة لتحديد المسؤولية في الوقت الفعلي، ولا قدرة مُشتركة كافية على مراقبة البنية التحتية تحت الماء والمناطق الرمادية.
حرب القانون: المساحة الرمادية كميدان استراتيجي
روسيا أتقنت ما يُسمّيه الباحثون «حرب القانون» أو Lawfare: توظيف الغموض القانوني وإجراءات التحقيق الطويلة وصعوبة الإثبات كأدوات دفاعية تحمي العمليات الهجينة. حين يستغرق التحقيق في حادثة كنورد ستريم سنوات دون اتهام رسمي علني، الرسالة الاستراتيجية تصل: نستطيع العمل في أوروبا دون أن يُعاقبنا أحد.
ما بعد الردع التقليدي: نحو أمن هجين أوروبي
الاستجابة الأوروبية تشقّ طريقها ببطء نحو منطق مغاير. بعض الدول بدأت تُنشئ «وحدات هجينة» متخصصة تجمع الأمن السيبراني والاستخبارات والأمن الداخلي في منظومة واحدة قادرة على العمل في الزمن الفعلي. فنلندا والسويد — اللتان اكتسبتا خبرة تاريخية في التعامل مع النفوذ الروسي — تُقدّمان نموذجاً لبقية الدول الأوروبية في كيفية بناء «مناعة هجينة» مجتمعية تتجاوز منظومات التسليح التقليدية.
polô
تحليلات معمّقة في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية — نقرأ العالم بعيون مستقلة.