أفريقيا قارة منقطعة داخلياً - 60% من الطرق غير ممهّدة، والتجارة البينية الأفريقية لا تتجاوز 15% من إجمالي التجارة، مقارنة بأكثر من 60% داخل أوروبا و50% في آسيا. جذر هذه المفارقة تاريخي: شبكات النقل الأفريقية الحالية بُنيت أساساً في الحقبة الاستعمارية لخدمة هدف واحد - نقل المواد الخام من الداخل إلى الموانئ الساحلية للتصدير نحو أوروبا، لا لربط الدول الأفريقية ببعضها. موجة جديدة من مشاريع الممرات الاقتصادية تُحاول أخيراً كسر هذا الإرث - وتحويل أفريقيا من قارة مُفككة إلى سوق موحّدة.
الأرقام تكشف الفجوة والفرصة معاً: التجارة البينية الأفريقية لا تتجاوز 15٪ من إجمالي تجارة القارة، نسبة متدنية مقارنة بالتكتلات الإقليمية الأخرى في العالم. منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية تضم 54 دولة عضواً، ما يجعلها أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول الموقّعة. ممر لامو المخطط يمتد على 1700 كيلومتر ليربط شرق أفريقيا بأسواق جديدة. وجمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها تنتج 70٪ من الكوبالت العالمي، معدن أصبح استراتيجياً بفضل الطلب المتصاعد على بطاريات السيارات الكهربائية.
١ ممر لوبيتو: الرهان الأمريكي-الأوروبي على معادن المستقبل
في 2023، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن استثمار يفوق 3 مليارات دولار في ممر لوبيتو الذي يربط ساحل أنغولا الأطلسي بحزام النحاس والكوبالت في زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. هذا ليس مجرد مشروع بنية تحتية عابر - إنه منافسة مباشرة للممرات الصينية القائمة، ومحاولة غربية لتأمين إمدادات معادن حيوية لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية والتكنولوجيا الخضراء، في وقت تُنتج فيه الكونغو الديمقراطية وحدها نحو 70٪ من الكوبالت العالمي. من يتحكم في طريق خروج هذا المعدن إلى الأسواق العالمية يمتلك نفوذاً اقتصادياً يتجاوز بكثير حجم الاستثمار المالي المباشر في السكة الحديدية نفسها.
٢ ممر لامو (LAPSSET): الطموح الكيني الأكبر في تاريخها
يربط ميناء لامو الكيني الجديد بجنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا ضمن مشروع "لابسيت" (LAPSSET) - بطول تخطيطي يصل إلى 1700 كيلومتر، ويشمل إلى جانب السكة الحديدية طرقاً سريعة وخط أنابيب نفط ومطارات إقليمية. يمنح المشروع دولاً حبيسة كجنوب السودان وأوغندا منفذاً بحرياً بديلاً عن الاعتماد الحصري على موانئ مجاورة، ويُنشئ شرياناً تجارياً أفريقياً داخلياً جديداً بالكامل. الصين وكينيا وممولون غربيون كلهم مشاركون في تمويل أجزاء مختلفة منه - لكن المشروع، المُعلن منذ أكثر من عقد، لا يزال يتقدم بوتيرة أبطأ بكثير من الجدول الزمني الأصلي بسبب تعقيدات التمويل والتنسيق بين أربع دول ذات أولويات مختلفة.
🚧 لماذا تفشل الممرات الأفريقية غالباً في الوصول لطاقتها الكاملة؟
ثلاث عقبات متكررة: تعدد العملات والرسوم الجمركية بين الدول العابرة يرفع كلفة النقل الفعلية رغم اكتمال البنية التحتية فيزيائياً؛ ضعف التنسيق السياسي بين حكومات لا تتفق دائماً على أولويات الجدول الزمني أو تقاسم العوائد؛ واعتماد كثير من المشاريع على تمويل خارجي (صيني أو غربي) يجعل استمراريتها رهينة أولويات جهات مانحة قد تتغير مع الوقت.
٣ الاتحاد الأفريقي ومنطقة التجارة الحرة
منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) أُطلقت رسمياً عام 2019 ودخلت حيز التطبيق التدريجي منذ 2021 - تضم 54 دولة وسوقاً محتملة من 1.4 مليار نسمة، ما يجعلها أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول الأعضاء. لكن النجاح الفعلي يتوقف كلياً على الربط بالبنية التحتية والممرات: اتفاقية تجارية على الورق لا قيمة عملية كبيرة لها إذا ظلت الطرق بين الدول الأعضاء غير مكتملة أو باهظة الكلفة. الوعد ضخم بلا شك - لكن التطبيق الفعلي لا يزال متعثراً، وسط تعقيدات قواعد المنشأ الجمركية وتفاوت مستويات التنمية الصناعية بين الأعضاء.
من يبني الطرق والسكك الحديدية والموانئ في أفريقيا يُحدد من يستفيد من تجارتها لعقود قادمة. الصين فهمت هذا مبكراً وتحركت بسرعة عبر مبادرة الحزام والطريق. الغرب بدأ يفهمه متأخراً عبر مشاريع كلوبيتو - لكن الفجوة الزمنية والتمويلية ما زالت قائمة. المستفيد الحقيقي على المدى الطويل سيكون من يربط هذه الممرات المتفرقة ضمن رؤية قارية متكاملة تخدم منطقة التجارة الحرة الأفريقية، لا مجرد ممرات استخراجية منعزلة تخدم مصدّراً خارجياً واحداً كما كانت الحال في الحقبة الاستعمارية.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
