المسافة بين ميناء غوادر في باكستان وميناء بيراوس في اليونان تقارب خمسة آلاف كيلومتر بخط مستقيم. لكن بالنسبة لاستراتيجيي بكين، هذا المسافة هي خط واحد يربط الاستراتيجية البحرية الصينية بموقعها في عمق أوروبا. ما بين هذين الميناءين، وامتداداً إلى الغرب والجنوب والشمال، تمتد شبكة من الاستثمارات الصينية في البنية التحتية البحرية تُجسّد طموحاً لم تُعلنه الصين صراحةً يوماً: بناء إمبراطورية بحرية من خلال الميناء والدين والشراكة التجارية.
01"قلادة اللؤلؤ": من نظرية إلى واقع
صاغ استراتيجيون أمريكيون في وزارة الدفاع منذ عام 2005 مصطلح "قلادة اللؤلؤ" ليصفوا أنماط الاستثمار الصيني في الموانئ على طول خطوط الملاحة بين الخليج العربي والبحار الآسيوية. في البداية، بدت النظرية افتراضية أكثر منها تشخيصاً لواقع. لكن اليوم، بعد عشرين عاماً، يبدو المصطلح أقل من الواقع.
الصين تمتلك حصصاً مسيطرة في موانئ تمتد من هامبانتوتا في سريلانكا إلى دار السلام في تنزانيا، ومن بيراوس في اليونان إلى هاييفا في إسرائيل. في كل حالة، الصورة المتكررة هي ذاتها: قروض ضخمة لدول لا تستطيع سداد ديونها في مواعيدها، ثم طلب تمديد العقد أو تحويل الدين إلى حصة ملكية أو امتياز تشغيل لعقود طويلة.
02هامبانتوتا: الحالة المدرسية
الحالة الأكثر شيوعاً في النقاشات هي ميناء هامبانتوتا في سريلانكا. الحكومة السريلانكية اقترضت مليارات الدولارات من مؤسسات صينية لبناء الميناء في مدينة يرتبط بها تاريخ عائلة الرئيس الأسبق راجاباكسا. عندما عجزت سريلانكا عن السداد، وقّعت عام 2017 عقداً لتأجير الميناء للصين لتسعة وتسعين عاماً. هذا ما أسماه المنتقدون "دبلوماسية فخ الديون".
الصين دافعت عن هذه المشاريع باعتبارها "استثمارات تنموية تخدم شعوب هذه الدول". والحقيقة أنها تخدم الشعوب جزئياً، لكنها تخدم أيضاً استراتيجية صينية بعيدة المدى.
03غوادر: ميناء أم بوابة استراتيجية؟
أحد أكثر المشاريع البحرية الصينية دلالةً هو ميناء غوادر في بلوشستان الباكستانية. الميناء يُدار بموجب عقد ضمن إطار الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني CPEC. التحليلات الاستراتيجية الغربية ترى في غوادر أكثر من ميناء تجاري: إنه منفذ بحري محتمل لتحرير الأسطول التجاري والعسكري الصيني من الاعتماد الكلي على مضيق ملقا، ذلك الممر الضيق في جنوب شرق آسيا الذي لو أُغلق في أزمة، سيقطع إمدادات الطاقة عن الاقتصاد الصيني.
04بيراوس: بوابة الصين إلى أوروبا
إذا كان غوادر هو البوابة الجنوبية، فبيراوس هو البوابة الغربية. منذ استحواذ مجموعة COSCO الصينية على الميناء، تحوّل بيراوس إلى أكبر ميناء في المتوسط وأسرعه نمواً. البضائع الصينية تدخل أوروبا عبره، وخطوط السكك الحديدية تربطه بالأسواق الأوروبية الداخلية. الصينيون يبنون بهدوء ممراً لوجستياً يجعلهم لاعباً بنيوياً في الاقتصاد الأوروبي، لا مجرد مصدّر للبضائع.
05التداعيات الاستراتيجية: ما الذي تريده الصين حقاً؟
السؤال الجوهري هو: هل هذه الاستثمارات البحرية تهدف إلى خلق قدرة عسكرية في المستقبل أم هي تجارية بحتة؟ والإجابة الأكثر واقعية هي: كلاهما. الموانئ التجارية والعسكرية لا تختلف كثيراً في بنيتها التحتية، والتاريخ حافل بأمثلة على تحوّل النفوذ الاقتصادي إلى حضور أمني.
ما يقلق الاستراتيجيين الغربيين ليس أن الصين تبني قواعد بحرية سرية، بل أنها تبني حضوراً في موانئ العالم يمنحها في حالة أزمة أوراق ضغط هائلة: قدرة على تعطيل سلاسل الإمداد، ومعلومات عن حركة الشحن، وقواعد محتملة لعمليات لوجستية في أي مكان.
06الخاتمة: الدرس التاريخي
بريطانيا في القرن التاسع عشر بنت إمبراطوريتها جزئياً من خلال السيطرة على الموانئ الاستراتيجية في مختلف أرجاء العالم. الصين تعيد هذا النمط بأدوات القرن الحادي والعشرين: القروض بدلاً من المدافع، وعقود الإيجار بدلاً من المعاهدات الاستعمارية. لكن النتيجة من حيث الوزن الاستراتيجي قد لا تكون مختلفة جوهرياً عما عرفه العالم من قبل.
تايوان والحرب المحتملة: هل ينجو الاقتصاد العالمي من صرا…
رقاقة إلكترونية تحكم العالم — لماذا حرب في مضيق تايوان ستكون أعظم صدمة اقتص…
← اقرأ المقالكيف تنقل الحروب الحديثة مركز القوة من الجيوش التقليدية …
من الخندق إلى الخوارزمية — ثورة الطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والذكاء…
← اقرأ المقالهل ما تزال العقوبات الاقتصادية سلاحاً فعالاً في القرن ا…
أداة تُريح صانعها أكثر مما تُكلّف هدفها — دروس إيران وروسيا وكوريا الشمالية…
← اقرأ المقالكيف تستخدم الولايات المتحدة الحروب الإقليمية لاحتواء ثل…
استراتيجية الاحتواء المُحدَّثة — أوكرانيا مع روسيا، وإيران في الشرق الأوسط،…
← اقرأ المقال