في الأروقة الأكاديمية للعلاقات الدولية، ثمة نقاش قديم حول طبيعة السياسة الأمريكية الخارجية: هل هي ردود أفعال براغماتية على أزمات متتالية، أم أنها تعبير عن رؤية استراتيجية كبرى تُحرّك الفاعلين من وراء الستار؟ في الحالة الراهنة، تبدو الإجابة مزيجاً من الاثنين. الولايات المتحدة وجدت نفسها في مواجهة ثلاثة خصوم محوريين في آن واحد: الصين التي تتحدى هيمنتها الاقتصادية والتكنولوجية، وروسيا التي تهدد النظام الأمني الأوروبي، وإيران التي تزعزع استقرار الشرق الأوسط الغني بالنفط والحيوي للتحالفات الأمريكية. والسؤال هو: كيف تدير واشنطن هذه الجبهات المتعددة؟
01الاحتواء كنظرية مُحدَّثة
عقيدة الاحتواء ليست اختراعاً أمريكياً طارئاً. أرسى جورج كينان دعائمها عام 1947 في مواجهة الاتحاد السوفيتي: لا تسمح بتوسع الخصم، لا تنزلق إلى حرب مباشرة، والزمن في النهاية في صالحك. اليوم تعود هذه النظرية بلباس جديد، لكن في مواجهة ثلاثة خصوم بدلاً من خصم واحد، وفي ظل موارد أمريكية أكثر محدودية نسبياً.
الأوكرانيون يتلقون دعماً عسكرياً ضخماً ليس لأن واشنطن تحب أوكرانيا بشكل خاص، بل لأن استنزاف القدرة العسكرية الروسية في حرب طويلة يحقق هدفاً استراتيجياً: إضعاف روسيا بكلفة أمريكية محدودة نسبياً، إذ لا يموت جندي أمريكي واحد في الميدان.
02أوكرانيا: حرب بالوكالة لاحتواء روسيا
الدعم الأمريكي لأوكرانيا يُجسّد هذه الاستراتيجية بوضوح. الأمر لا يتعلق فقط بحماية الديمقراطية وسيادة الدول، وإن كانت هذه القيم جزءاً حقيقياً من الحسابات. يتعلق الأمر أيضاً بتوريط روسيا في حرب استنزاف تستهلك دباباتها وطيارتها وصواريخها وأرواح جنودها، مع ضمان أن تبقى موسكو مشغولة في أوروبا الشرقية بعيداً عن أي تدخل في الأزمات الأخرى. الصين رصدت هذا الدرس بعناية: أن الحرب المباشرة ثمنها هائل حتى لو كانت تحت مسمى عملية خاصة.
03إيران: تصعيد محسوب وضغط متجدد
في الشرق الأوسط، تعتمد واشنطن على مزيج من الردع العسكري المباشر، الدعم لإسرائيل، والعقوبات الاقتصادية لاحتواء إيران. العمليات الجوية التي شنّتها الولايات المتحدة مؤخراً ضد المواقع الإيرانية والوكلاء الإيرانيين كانت رسالة متعددة الأبعاد: أن أمريكا لن تتهاون أمام التهديدات الإيرانية، وأن التصعيد له سقف. لكن في الوقت ذاته، تحرص واشنطن على عدم الانزلاق إلى حرب شاملة مع إيران تستنزفها في حين يتقدم منافسوها الآخرون.
04الصين: احتواء بدون حرب
المعادلة الأصعب تبقى مع الصين. واشنطن تحاول احتواء الصعود الصيني بدون مواجهة مسلحة تجرف معها النظام الاقتصادي الدولي. الوسائل متعددة: تعزيز تحالف AUKUS في الهادئ، دعم تايوان دفاعياً، ضخ مئات المليارات في صناعة الرقائق الأمريكية لتقليص الاعتماد على آسيا، ورسوم جمركية تُقيّد القدرة التصديرية الصينية.
الخوف في هذه الاستراتيجية يكمن في الفخ الذي أسماه المؤرخ غراهام أليسون "فخ ثيوسيديدس": عندما تبلغ قوة صاعدة مستوى القوة المهيمنة، ويشعر كلاهما بضرورة الحسم، تندلع الحروب. فهل تستطيع واشنطن احتواء بكين بدون الانزلاق إلى هذا الفخ التاريخي؟
05حدود الاستراتيجية متعددة الجبهات
ما تكشف عنه التجربة الراهنة هو أن الاستراتيجية الأمريكية تعاني من تناقضات بنيوية صعبة الحل. استنزاف الصواريخ الاعتراضية في الدفاع عن إسرائيل يُقلّص الاحتياطيات المخصصة لتايوان. الدعم العسكري لأوكرانيا يرهق قدرات صناعية محدودة. والمقاتلات الأمريكية لا يمكنها في الوقت ذاته أن تكون في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط بكفاءة متساوية.
الجواب على هذه التناقضات يمر بالضرورة عبر بناء قدرات الحلفاء الإقليميين وتعزيزها، ودفع دول كاليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا لتحمّل نصيب أكبر من عبء دفاعها الذاتي. لكن هذا يستلزم ثقةً في هؤلاء الحلفاء لا يبدو أن واشنطن على استعداد منح الجميع منها بالمقياس ذاته.
هل ما تزال أوروبا قادرة على أن تكون قوة مستقلة بين واشن…
بين الاعتماد الأمني الأمريكي والاعتماد الاقتصادي الصيني — سؤال السيادة الاس…
← اقرأ المقالهل بدأت "مبادرة الحزام والطريق" تفقد زخمها العالمي؟
عقد من الوعود والديون والتعثر — هل أسلوب بناء الإمبراطورية بالقروض يصطدم بح…
← اقرأ المقالهل أصبح المحيط الهادئ أكثر خطورة من أوروبا؟
ثلاث قوى نووية وغياب أمن جماعي — لماذا أزمة شرق آسيا قد تكون أشد من أي أزمة…
← اقرأ المقالعودة الإمبراطوريات: لماذا تسعى الصين وتركيا وروسيا لإعا…
الذاكرة الإمبراطورية كوقود سياسي — ثلاث قوى تستعيد أحلام عظمة مضت لإعادة تع…
← اقرأ المقال