🔑الإمارات والعالم العربيالإمارات وفلسطينالتطبيع الإماراتي الإسرائيليالإمارات واليمنالسياسة الخارجية الإماراتية

لم تعد الإمارات العربية المتحدة مجرد دولة خليجية صغيرة نجحت في تحقيق صعود اقتصادي لافت خلال عقود قليلة، بل أصبحت لاعبًا إقليميًا واسع التأثير يثير حضورُه السياسي والإعلامي جدلًا كبيرًا في العالم العربي. فبينما ينظر إليها البعض بوصفها نموذجًا للتنمية والاستقرار والانفتاح الاقتصادي، يراها آخرون دولةً تمارس نفوذًا سياسيًا حادًا في ملفات عربية شديدة الحساسية، من اليمن وليبيا إلى السودان وسوريا وفلسطين.

⚠️ تنبيه تحليلي

هذا التناقض لا يمكن اختزاله في عبارة «العرب يكرهون الإمارات» بشكل مطلق. المسألة لا تتعلق بشعور عربي جماعي موحّد، بقدر ما تتعلق بتراكمات سياسية وإعلامية وأخلاقية صنعت لدى قطاعات واسعة موقفًا ناقدًا أو عدائيًا تجاه سياسات أبوظبي.

صورة النجاح الاقتصادي لا تكفي وحدها

من الصعب إنكار أن الإمارات حققت إنجازات اقتصادية وعمرانية وسياحية لافتة. فقد استطاعت خلال زمن قياسي أن تنتقل من اقتصاد ريعي محدود إلى مركز عالمي للتجارة والخدمات والتمويل والسياحة والنقل الجوي. كما باتت دبي وأبوظبي رمزين للحداثة الحضرية، وقبلة لرجال الأعمال والمهنيين والباحثين عن فرص عمل وحياة مستقرة.

لكن هذا الرصيد الاقتصادي لا يُترجم تلقائيًا إلى قبول شعبي عربي شامل. فالجمهور لا يقيس الدول فقط عبر ناطحات السحاب والمطارات العملاقة، بل أيضًا عبر مواقفها من القضايا الكبرى. وعندما تتصاعد القناعة بأن دولة ما تستخدم ثقلها المالي والسياسي بطريقة تُضعف التوافقات العربية أو تُفاقم الصراعات الداخلية، تصبح إنجازاتها الاقتصادية غير كافية لتحسين صورتها العامة.

فلسطين والتطبيع: الجرح الأكثر حساسية

تظل القضية الفلسطينية العامل الأكثر حساسية في تشكيل المزاج الشعبي العربي. فحتى مع تراجع مركزية القضية في بعض السياسات الرسمية، بقيت في الوعي الجمعي العربي معيارًا أخلاقيًا شديد الحضور. لهذا السبب، جاء اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل عام 2020 ليصدم قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، التي رأت فيه خروجًا صريحًا عن الموقف التقليدي الداعم لفلسطين.

لم يكن الاعتراض على التطبيع مجرد موقف عاطفي — بل ارتبط بالتوقيت والسياق: التطبيع جاء في لحظة كانت فيها عملية السلام متعثرة، والاستيطان مستمرًا، والحصار على غزة قائمًا. كثيرون شعروا أن الإمارات منحت إسرائيل مكسبًا سياسيًا بلا مقابل واضح للفلسطينيين.

حين تُقدَّم هذه الخطوة باعتبارها «شجاعة تاريخية»، بينما يراها الشارع العربي تنازلًا مجانيًا أو خذلانًا سياسيًا، فإن الفجوة بين الحاكم والمحكوم تتسع — وتتحول إلى غضب رمزي يطال الدولة بكاملها.

اليمن: الحرب التي غيّرت الصورة

إذا كانت فلسطين هي الجرح الرمزي الأكبر، فإن اليمن هو الجرح الواقعي الأوضح. ففي الوعي الشعبي العربي، ارتبط اسم الإمارات بالحرب اليمنية من خلال دورها العسكري والسياسي داخل التحالف العربي، ثم عبر دعمها لتشكيلات محلية وقوى انفصالية في الجنوب. ومع مرور الوقت، توسع النقاش ليشمل اتهامات بالتموضع الاستراتيجي في الموانئ والجزر، والسعي إلى نفوذ طويل الأمد على الساحل والممرات البحرية.

هذا السلوك يُقرأ عربيًا على أنه تدخل في بلد مكسور أصلًا، لا كمساهمة في استقراره. واليمني الذي يرى بلده غارقًا في الحرب والجوع والانقسام لا يميّز كثيرًا بين المصالح الأمنية والتحالفات العسكرية، بل يختصر التجربة في سؤال بسيط: من يفاقم المأساة، ومن يستفيد منها؟

ليبيا وسوريا: دعم الاستبداد أم استعادة الاستقرار؟

في ليبيا، زادت صورة الإمارات تعقيدًا. فهناك من يراها داعمًا أساسيًا لمعسكر حفتر، ومساهمًا في إطالة الحرب الأهلية وتعميق الانقسام الليبي. وفي المقابل، ترى الإمارات ومؤيدوها أنها دعمت قوى تعتبرها أكثر قدرة على فرض الاستقرار ومواجهة الإسلام السياسي والفوضى المسلحة. لكن حجة «الاستقرار» لا تلقى صدى إيجابيًا لدى كثير من العرب، لأنها لا تُبرر دعم طرف عسكري في صراع أهلي، ولا إضعاف فرص التوافق السياسي الوطني.

أما في سوريا، فقد ارتبط اسم الإمارات بموقف براغماتي من النظام السوري، ومحاولة إعادة دمجه عربيًا في وقت كانت فيه جراح الحرب ما تزال مفتوحة. وفي السياق نفسه، رُبط اسمها بخيارات إقليمية تُفضّل الأنظمة الصلبة على التحولات الديمقراطية — وهو ما عزز صورتها كخصم غير مباشر لثورات الربيع العربي.

الإعلام وصناعة السردية

لا يمكن فهم الجدل حول الإمارات من دون الانتباه إلى الحرب الإعلامية. فالإمارات تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الإعلامية العربية تنظيمًا وحضورًا، وتستثمر بكثافة في بناء صورة عن نفسها كدولة عقلانية ومزدهرة ومعتدلة. في المقابل، تنشط منصات ومؤثرون عرب في تصويرها باعتبارها دولة تدعم الانقلابات والتفكك والتطبيع.

المشكلة أن الجمهور العربي لا يتلقى المعلومات في فراغ. فهو يتأثر بالهوية السياسية، والانتماءات الأيديولوجية، والذاكرة التاريخية، والصدمات المحلية. لذلك تتضخم صورة الإمارات أو تتشوه بحسب البيئة الإعلامية التي يتعرض لها المتلقي.

من النقد إلى الشيطنة: فارق جوهري

يجب التمييز بين النقد السياسي المشروع وبين الشيطنة الكاملة. فبعض الخطابات العربية المعادية للإمارات تتجاوز التحليل إلى التعميم المفرط، وتحوّل دولة بكاملها إلى «شر مطلق» دون تفريق بين شعبها وسياساتها. وهذا خطأ تحليلي وأخلاقي في آنٍ واحد.

فمن الموضوعي الاعتراف بأن الإمارات أنجزت نموذجًا اقتصاديًا ناجحًا في بيئة إقليمية معقدة. لكن الاعتراف بهذا لا يعني تبرئة سياساتها الإقليمية من النقد. فالدول يمكن أن تكون ناجحة داخليًا ومثيرة للجدل خارجيًا في الوقت نفسه.

🔍 التقدير الاستراتيجي

الإمارات اليوم دولة مُختلَف عليها بامتياز: يحبها البعض بسبب نجاحها واستقرارها وفرصها، ويهاجمها آخرون بسبب دورها في فلسطين واليمن وليبيا وسوريا.

إن فهم هذا الجدل يتطلب الابتعاد عن الأحكام السهلة. فالمسألة ليست كراهية عاطفية جماعية، بل صراع على المعنى: ماذا تعني القوة؟ ومتى يتحول النفوذ إلى تدخل؟ ومتى يصبح النجاح الاقتصادي معزولًا عن المسؤولية السياسية؟

❓ أسئلة شائعة
هل اتفاقية التطبيع الإماراتية-الإسرائيلية فريدة من نوعها؟
لا — سبقتها مصر (1979) والأردن (1994). لكن ما ميّز الاتفاق الإماراتي هو توقيته، وغياب أي تقدم موازٍ في الملف الفلسطيني، وكونه فتح الباب أمام موجة تطبيع خليجية أوسع (البحرين، المغرب). وهذا ما جعله أكثر رمزية وأشد وقعًا في الوعي الشعبي العربي.
لماذا تتدخل الإمارات في اليمن وليبيا وغيرهما؟
تعتمد الإمارات عقيدة أمنية تقوم على مواجهة الإسلام السياسي، وتأمين الممرات البحرية، وبناء نفوذ استراتيجي في المناطق المضطربة قبل أن تملأها قوى أخرى. هذا المنطق يُفسر تدخلاتها، حتى لو أن النتائج الميدانية أثارت انتقادات واسعة.
ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · مؤسس geopolo

محلل في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية. يتابع ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا والقوى الكبرى. مؤسس مجلة geopolo للتحليلات الاستراتيجية المستقلة.

📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت