حين أُطلق فيلم "Top Gun" عام ١٩٨٦، ارتفعت طلبات الالتحاق بسلاح البحرية الأمريكي بنسبة ٥٠٠٪ خلال الأشهر التالية. لم يكن ذلك مصادفة، بل كان نتيجة تعاون وثيق بين استوديوهات هوليوود ووزارة الدفاع الأمريكية — البنتاغون — الذي قدّم حاملات الطائرات والطائرات المقاتلة مجاناً مقابل حق مراجعة السيناريو وتعديله. هذه العلاقة التكافلية بين أكبر صناعة ترفيهية في العالم وأقوى مؤسسة عسكرية ليست استثناءً، بل هي قاعدة مستمرة منذ أكثر من سبعة عقود، شكّلت عبرها الولايات المتحدة صورتها الذهنية لدى مليارات البشر حول العالم، وحوّلت الشاشة الفضية إلى ميدان معركة لا يُسمع فيه دوي المدافع، لكنّ تأثيره أعمق بكثير من أي حرب تقليدية.
في هذا التحقيق الاستقصائي، نغوص في أعماق العلاقة بين هوليوود والبنتاغون، ونكشف كيف تتحول الأفلام إلى أدوات جيوسياسية تُعيد رسم خارطة التصورات العالمية، من الحروب الباردة إلى الحروب على الإرهاب، ومن أفلام الأبطال الخارقين إلى مسلسلات منصات البث الرقمي.
جذور التحالف: من الحرب العالمية إلى الحرب الباردة
لم تبدأ العلاقة بين هوليوود والمؤسسة العسكرية الأمريكية مع Top Gun في الثمانينيات، بل تعود جذورها إلى الحرب العالمية الثانية حين أنشأ الرئيس فرانكلين روزفلت "مكتب معلومات الحرب" (OWI) عام ١٩٤٢، وكان من مهامه الأساسية التنسيق مع استوديوهات هوليوود لإنتاج أفلام تخدم المجهود الحربي الأمريكي. في تلك المرحلة، لم يكن التعاون خفياً بل علنياً ومُمأسَساً: مخرجون بارزون مثل فرانك كابرا وجون فورد انضموا فعلياً إلى الجيش وأنتجوا سلسلة "لماذا نحارب" التي شاهدها ملايين الجنود والمدنيين.
مع انتهاء الحرب وبداية الحرب الباردة، لم تتراجع العلاقة بل تطورت وأصبحت أكثر تطوراً وسرية. أسّست وكالة المخابرات المركزية (CIA) برنامجاً خاصاً للتأثير الثقافي، وأنشأ البنتاغون "مكتب الاتصال الترفيهي" الذي لا يزال يعمل حتى اليوم من داخل مبنى وزارة الدفاع في أرلينغتون بولاية فرجينيا. هذا المكتب هو البوابة الرسمية التي يمر عبرها كل فيلم أو مسلسل يطلب استخدام معدات عسكرية أمريكية حقيقية أو تصوير مشاهد في قواعد عسكرية.
الصفقة غير المكتوبة
تعمل العلاقة وفق معادلة بسيطة لكنها بالغة الفعالية: تقدم هوليوود سيناريوهاتها للبنتاغون، فيُراجعها المكتب العسكري ويطلب تعديلات قد تشمل حذف مشاهد تُظهر الجيش بصورة سلبية، أو إضافة عناصر تُبرز الاحترافية والتفوق الأمريكي. في المقابل، يحصل الاستوديو على حاملات طائرات ودبابات وطائرات مقاتلة ومواقع تصوير عسكرية حقيقية، وهي موارد تُقدَّر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات — مجاناً تماماً. المنتج يوفر تكاليف هائلة، والبنتاغون يحصل على آلة دعاية تصل إلى مليارات المشاهدين بتكلفة صفر.
آلية العمل: كيف يُعاد كتابة السيناريو في غرف البنتاغون
لفهم عمق هذه العلاقة، يجب تفكيك آلية العمل خطوة بخطوة. حين يقرر منتج هوليوودي أن فيلمه يحتاج إلى معدات عسكرية حقيقية — طائرات مقاتلة F/A-18، حاملة طائرات، قاعدة جوية — فإنه يتقدم بطلب رسمي إلى مكتب الاتصال الترفيهي في البنتاغون. يُرسل السيناريو كاملاً، فيقرأه فريق من الضباط المتخصصين الذين يبحثون عن كل مشهد أو حوار قد يُظهر المؤسسة العسكرية بصورة غير مرغوبة.
الوثائق المُسرَّبة التي حصل عليها الباحثان ماثيو ألفورد وتوم سيكر، مؤلفا كتاب "National Security Cinema"، تكشف أن البنتاغون تدخّل في أكثر من ٢٨٠٠ إنتاج سينمائي وتلفزيوني بين عامي ١٩٤٧ و٢٠١٩. التعديلات لا تقتصر على التفاصيل التقنية العسكرية، بل تمتد إلى القصة نفسها: حذف شخصيات فاسدة من ضباط، تغيير نهايات تُظهر فشلاً عسكرياً، وحتى إضافة مشاهد بطولية لم تكن في النص الأصلي.
"لا يستطيع أحد أن يُنتج فيلم حرب كبيراً في هوليوود دون موافقة البنتاغون. ليس لأن ذلك ممنوع قانونياً، بل لأن تكلفة الاستغناء عن الدعم العسكري المجاني تجعل الفيلم غير مجدٍ اقتصادياً." — ديفيد روب، مؤلف كتاب "Operation Hollywood"
حالات شهيرة: من الموافقة إلى الرفض
الأمثلة على هذا التدخل كثيرة ومُوثَّقة. فيلم "Black Hawk Down" (٢٠٠١) حصل على دعم عسكري كامل بعد أن وافق المخرج ريدلي سكوت على تعديلات جوهرية في تصوير العملية العسكرية في مقديشو، بينما رُفض فيلم "Apocalypse Now" (١٩٧٩) لأنه يُصوّر الجنود الأمريكيين بصورة مضطربة نفسياً وأخلاقياً. فيلم "Independence Day" (١٩٩٦) حصل على دعم سلاح الجو، لكن فيلم "Mars Attacks!" الذي أُنتج في العام نفسه رُفض لأنه يُسخِّف من الجيش. والحالة الأكثر إثارة هي فيلم "Iron Man" (٢٠٠٨): قدّم البنتاغون قاعدة إدواردز الجوية وطائرات F-22 Raptor مجاناً، ليظهر توني ستارك — ملياردير صناعة الأسلحة — كبطل أمريكي يحارب الإرهاب في أفغانستان.
| الفيلم | السنة | موقف البنتاغون | السبب | النتيجة |
|---|---|---|---|---|
| Top Gun | ١٩٨٦ | دعم كامل | صورة بطولية للطيارين | ارتفاع التجنيد ٥٠٠٪ |
| Black Hawk Down | ٢٠٠١ | دعم بعد تعديلات | تقليل المشاهد السلبية | تعاطف مع الجيش |
| Iron Man | ٢٠٠٨ | دعم كامل | بطل يصنع أسلحة ويحارب الإرهاب | قاعدة عسكرية + طائرات F-22 |
| Apocalypse Now | ١٩٧٩ | رفض | تصوير سلبي للجنود | تصوير في الفلبين بتكلفة عالية |
| Hurt Locker | ٢٠٠٨ | رفض | ضغط نفسي وانتقاد ضمني | فاز بالأوسكار رغم الرفض |
| Transformers | ٢٠٠٧ | دعم ضخم | استعراض القوة العسكرية | معدات بقيمة ١٧٠ مليون دولار |
القوة الناعمة: من نظرية ناي إلى ممارسة هوليوود
لفهم البُعد الاستراتيجي لعلاقة هوليوود بالبنتاغون، لا بد من العودة إلى مفهوم "القوة الناعمة" (Soft Power) الذي صاغه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي في مطلع التسعينيات. يرى ناي أن قدرة الدولة على تحقيق أهدافها لا تعتمد فقط على القوة العسكرية (القوة الصلبة) أو الضغط الاقتصادي، بل أيضاً على قدرتها على الجذب الثقافي: جعل الآخرين يريدون ما تريده أنت، دون إكراه. والسينما الأمريكية هي أقوى أداة قوة ناعمة في تاريخ البشرية.
الأرقام تتحدث بوضوح: تسيطر هوليوود على نحو ٧٠٪ من سوق السينما العالمي. في عام ٢٠٢٣ وحده، حققت أفلام الاستوديوهات الأمريكية الكبرى إيرادات تجاوزت ٣٤ مليار دولار عالمياً. يشاهد الأفلام الأمريكية أكثر من ٢.٦ مليار شخص سنوياً في صالات السينما وحدها، دون احتساب منصات البث الرقمي التي تضاعف هذا الرقم عدة مرات. هذا يعني أن الرسائل المُضمَّنة في هذه الأفلام — عن القيم الأمريكية، عن "الأخلاق" العسكرية الأمريكية، عن هوية العدو — تصل إلى عقول مليارات البشر بشكل مستمر ومتكرر.
"أمريكا لا تحتاج إلى غزو العالم عسكرياً، يكفي أن يحلم شباب العالم بالعيش فيها. وهوليوود هي من تصنع هذا الحلم." — جوزيف ناي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد
صورة العدو: من السوفييت إلى العرب والمسلمين
الأكثر خطورة في هذه المنظومة ليس تجميل صورة الجيش الأمريكي فحسب، بل تشويه صورة "الآخر" بشكل ممنهج. الباحث الأمريكي من أصل لبناني جاك شاهين وثّق في كتابه الشهير "Reel Bad Arabs" أكثر من ألف فيلم هوليوودي تُصوِّر العرب والمسلمين بصورة نمطية سلبية: إرهابيون، برابرة، متخلفون، أو ثريّون فاسدون. هذه الصورة لم تكن عشوائية بل تطورت بالتوازي مع التحولات الجيوسياسية: خلال الحرب الباردة كان العدو السوفييتي هو الشرير الرئيسي، ومع سقوط جدار برلين وظهور "الإرهاب الإسلامي" كتهديد استراتيجي أمريكي جديد، تحوّل العدو السينمائي إلى عربي ومسلم.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١، تكثّف هذا التوجه بشكل غير مسبوق. سلسلة أفلام مثل "Zero Dark Thirty" و"American Sniper" و"13 Hours" قدّمت سردية واحدة: الجندي الأمريكي هو البطل المُضحّي، والعدو العربي-المسلم هو التهديد الوجودي الذي يستحق القتل. الأبحاث الأكاديمية تُظهر أن مشاهدة هذه الأفلام ترتبط إحصائياً بزيادة المواقف العدائية تجاه المسلمين في الغرب وبقبول أكبر للتدخلات العسكرية في الشرق الأوسط.
ما بعد السينما: المنصات الرقمية وألعاب الفيديو
لم يعد تأثير البنتاغون مقتصراً على الشاشة الكبيرة. في العقدين الأخيرين، امتدت ذراع المؤسسة العسكرية إلى ألعاب الفيديو ومنصات البث الرقمي بشكل مكثف. لعبة "Call of Duty"، الأكثر مبيعاً في تاريخ ألعاب الحرب بأكثر من ٤٠٠ مليون نسخة مباعة، تُطوَّر بالتشاور المباشر مع مستشارين عسكريين أمريكيين. اللاعب يتقمّص دور جندي أمريكي يقاتل "إرهابيين" في الشرق الأوسط أو جنوداً روساً أو صينيين — نفس الأعداء الجيوسياسيين الحقيقيين لواشنطن.
الجيش الأمريكي أنشأ لعبته الخاصة "America's Army" عام ٢٠٠٢ كأداة تجنيد رسمية — لعبة مجانية أنفق عليها البنتاغون أكثر من ٣٢ مليون دولار. يلعبها ملايين الشباب حول العالم، ويُمكنهم من داخل اللعبة التقدم بطلب انضمام حقيقي للجيش. أما على منصات البث، فمسلسلات مثل "Jack Ryan" على أمازون و"SEAL Team" على CBS تحمل بصمة واضحة للتعاون العسكري، حيث يتم تصوير عمليات خاصة أمريكية في دول عربية وإسلامية بسردية تبرر التدخل وتُنسِّن القتل.
الذكاء الاصطناعي والمستقبل
مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، يتوقع خبراء الإعلام أن تتعمق العلاقة بين المؤسسة العسكرية وصناعة الترفيه بشكل غير مسبوق. تقنيات التزييف العميق (Deepfake) وإنتاج المحتوى المُولَّد آلياً تفتح أبواباً جديدة لصناعة سرديات مُوجَّهة على نطاق واسع وبتكلفة منخفضة. البنتاغون يستثمر حالياً مليارات الدولارات في أبحاث "الحرب المعلوماتية" التي تتقاطع بشكل مباشر مع صناعة المحتوى الترفيهي. المخاوف تتصاعد من أن الجيل القادم من الأفلام والألعاب قد لا يحتاج حتى إلى ممثلين حقيقيين — سيكفي أن يُبرمج الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى يخدم الأجندة الاستراتيجية تلقائياً.
المقاومة الثقافية: هل يمكن كسر الاحتكار؟
في مواجهة هذه الآلة الجبارة، تتصاعد أصوات المقاومة الثقافية من عدة جبهات. صناعة السينما الصينية تُنتج الآن أفلام حرب ضخمة مثل "Wolf Warrior" و"The Battle at Lake Changjin" — الذي حقق إيرادات تجاوزت ٩٠٠ مليون دولار — تقدم سردية بطولية صينية مضادة. بوليوود الهندية تُصدّر رؤيتها الثقافية لأكثر من مليار مشاهد. حتى نوليوود النيجيرية أصبحت ثاني أكبر صناعة سينمائية في العالم من حيث عدد الإنتاجات.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تكفي هذه البدائل لكسر احتكار السردية الأمريكية؟ الجواب المُرجَّح هو لا، على الأقل في المدى القريب. فالتفوق الأمريكي لا يكمن فقط في حجم الإنتاج، بل في البنية التحتية العالمية للتوزيع: منصات مثل Netflix وDisney+ وAmazon Prime تصل إلى أكثر من ١.٥ مليار مشترك، أغلبهم يستهلكون محتوى أمريكياً بالدرجة الأولى. شبكة التوزيع هذه هي "القاعدة العسكرية الثقافية" الحقيقية التي لا يملك أي بلد آخر ما يُماثلها.
نحو سينما عربية جيوسياسية
في العالم العربي، تتزايد الدعوات لإنشاء صناعة سينمائية تُقدّم السردية العربية للعالم، خاصة مع الاستثمارات الضخمة في المملكة العربية السعودية عبر هيئة الأفلام السعودية والمشاريع الترفيهية في نيوم والبحر الأحمر. لكن التحدي الأكبر ليس المال — فالأموال متوفرة — بل في بناء منظومة إبداعية متكاملة تشمل كُتّاب سيناريو ومخرجين وموزعين عالميين قادرين على صياغة قصص تُنافس هوليوود في الجاذبية والعمق. المملكة العربية السعودية أنفقت أكثر من ٦٤ مليار دولار على صناعة الترفيه منذ إطلاق رؤية ٢٠٣٠، لكن الطريق نحو "سردية بديلة" لا يزال طويلاً.
"السينما ليست مجرد ترفيه، إنها الميدان الذي تُخاض فيه حروب الهوية والذاكرة. من يملك الشاشة يملك الرواية، ومن يملك الرواية يملك المستقبل." — إدوارد سعيد، المفكر والناقد الأدبي الفلسطيني-الأمريكي
العلاقة بين هوليوود والبنتاغون ليست مؤامرة خفية بل منظومة مؤسسية مُعلنة تعمل منذ أكثر من سبعة عقود. هذه المنظومة تُمثّل أنجح نموذج للقوة الناعمة في التاريخ الحديث: مليارات الدولارات من المعدات العسكرية تُقدَّم مجاناً للاستوديوهات مقابل التحكم في السردية التي يستهلكها مليارات البشر. النتيجة: صورة مثالية للجندي الأمريكي، وصورة نمطية مشوّهة لأعداء واشنطن الجيوسياسيين.
التحدي الحقيقي ليس في فضح هذه العلاقة — فهي مُوثّقة بالوثائق الرسمية — بل في بناء بدائل سينمائية وثقافية قادرة على تقديم سرديات متعددة. في عالمٍ تتحكم فيه منصات رقمية أمريكية بتوزيع المحتوى لأكثر من نصف سكان الأرض، تصبح "السيادة السردية" قضية أمن قومي بامتياز لكل دولة تسعى للحفاظ على هويتها واستقلالية وعيها الجماعي.
📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت