في 2026، لم يعد الذكاء الاصطناعي العسكري مستقبلاً نظرياً بل حاضراً تشغيلياً. أوكرانيا أصبحت مختبراً حياً لتقنيات المسيّرات المستقلة، وإسرائيل استخدمت أنظمة ذكاء اصطناعي في تحديد الأهداف في غزة، والصين أعلنت عن نشر أنظمة قيادة ذكية في سلاح بحريتها.
الولايات المتحدة: الاستثمار الأكبر
أمريكا تُنفق أكثر من 3 مليارات دولار سنوياً على الذكاء الاصطناعي الدفاعي عبر برامج وزارة الدفاع. مشروع Maven - الذي بدأ بتحليل صور المسيّرات فوق سوريا والعراق - تطوّر إلى منظومة تدمج الاستخبارات بالقرار الميداني. وتُعدّ DARPA محرّك الابتكار في مجالات الحرب الإلكترونية والمسيّرات الذاتية والتحليل التنبؤي.
لكن لأمريكا مشكلة: بيروقراطية الأخلاقيات العسكرية تُبطئ النشر الفعلي للأنظمة الذاتية. السياسة الأمريكية الرسمية تشترط «إنساناً في حلقة القرار» للأسلحة الفتاكة. هذا يُبقي التفوق التقني الأمريكي حاضراً لكن تطبيقه الميداني مُقيّداً.
الصين: السرعة لا الضوابط
الصين تُعلن أن هدفها أن تكون القوة الأولى عالمياً في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030. بلا قيود أخلاقية مماثلة، تنشر بكين أسلحة شبه ذاتية في بحر الصين الجنوبي وتختبر أنظمة قيادة ذكية على نطاق واسع. ميزتها الأكبر: البيانات. مراقبة 1.4 مليار مواطن توفّر مخزوناً هائلاً من البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
روسيا: الاستعداد للمجازفة أكثر من التطور التقني
روسيا لا تُنافس أمريكا والصين في العمق التقني للذكاء الاصطناعي العسكري، لكنها تُعوّض ذلك باستعداد أعلى بكثير لنشر أنظمة أبسط ميدانياً دون تردد أخلاقي أو بيروقراطي يُذكر - كما ظهر في استخدامها المكثف للمسيّرات الرخيصة في أوكرانيا، بعضها بقدرات ملاحة شبه مستقلة لمقاومة أجهزة التشويش الأوكرانية. هذا النهج "الكمي السريع" بدلاً من "الجودة التقنية الفائقة" يُقدّم درساً مهماً: التفوق العسكري في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتطلب دائماً أحدث التقنيات، بل الاستعداد لنشرها بسرعة وعلى نطاق واسع في ساحة القتال الفعلية.
الفراغ التنظيمي الدولي: عقد من المحادثات دون معاهدة
منذ 2014، تُعقد مناقشات دورية في إطار الأمم المتحدة (مجموعة الخبراء الحكوميين حول "أنظمة الأسلحة الفتاكة المستقلة" LAWS) دون التوصل لمعاهدة دولية ملزمة تُنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي في القتال. الاتحاد الأوروبي استثنى صراحة الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي من غالبية بنود "قانون الذكاء الاصطناعي" الذي أقرّه عام 2024، تاركاً الملف العسكري خارج أي إطار تنظيمي أوروبي موحّد. هذا الفراغ التنظيمي المستمر لعقد كامل من المفاوضات دون نتيجة ملزمة يعني عملياً أن كل قوة عسكرية كبرى تضع معاييرها الخاصة بمعزل عن أي إجماع دولي حقيقي.
المعضلة الأخلاقية والقانونية
حين يُقرر الذكاء الاصطناعي القتل، من المسؤول؟ لا القانون الدولي ولا اتفاقيات جنيف تملك إجابة واضحة. المحادثات في مجلس الأمن والأمم المتحدة تتعثر بسبب الخلافات بين القوى الكبرى. الفراغ القانوني يعني أن كل قوة ستضع قواعدها بنفسها.
سباق الذكاء الاصطناعي العسكري لا يكسبه من يطوّر أفضل خوارزمية، بل من يُحسن تكاملها في منظومة القرار البشري. أمريكا تقود التقنية، الصين تقود التطبيق، وروسيا تقود الاستعداد للمجازفة. لا أحد يقود البُعد الأخلاقي والقانوني.
📬 النشرة الأسبوعية - مجاناً
تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.
بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت