منذ هزيمة 1945، بنت اليابان هويتها الدولية على السلمية والاعتماد الأمني على أمريكا. المادة التاسعة من الدستور الياباني - التي صاغتها في جوهرها سلطات الاحتلال الأمريكي عام 1947 - تحظر الحرب والقوات المسلحة الهجومية. لكن في ديسمبر 2022، قلب رئيس الوزراء كيشيدا هذه المعادلة رأساً على عقب بإعلان أضخم برنامج دفاعي في تاريخ اليابان الحديث، عبر ثلاث وثائق استراتيجية جديدة أعادت تعريف مفهوم الأمن القومي الياباني بأكمله.
١ لماذا الآن؟ المحركات الثلاثة
ثلاثة عوامل اجتمعت: الغزو الروسي لأوكرانيا أظهر أن الضمانات الأمنية قد لا تكفي، وأن قوة نووية كبرى قد تُقدم فعلياً على غزو جارة أصغر رغم كل الردع المفترض. الصين تُطوّر قدراتها العسكرية بوتيرة متسارعة في المحيط الهادئ وبحر الصين، مع توترات متكررة حول جزر سينكاكو/دياويو المتنازع عليها. وكوريا الشمالية تُطلق صواريخ باليستية تعبر فوق الأراضي اليابانية بشكل متكرر. ثلاثة مصادر تهديد متزامنة دفعت طوكيو لإعادة الحساب عبر "استراتيجية الأمن القومي" الجديدة الصادرة ديسمبر 2022.
٢ قدرة "الضربة المضادة" - خط أحمر تاريخي
الأهم في هذا التحول: اليابان أعلنت امتلاك "قدرة الضربة المضادة" - أي ضرب قواعد العدو قبل أن يُطلق هجومه. هذا يتناقض مع الفلسفة الدفاعية البحتة التي التزمتها اليابان 70 عاماً. الصواريخ التي يمكنها الوصول لأراضٍ صينية وكورية شمالية تُغير المعادلة الاستراتيجية الإقليمية. اليابان تُخطط أيضاً لشراء 147 مقاتلة F-35 (النسختين A وB معاً)، إلى جانب مشاركتها في برنامج "GCAP" (Global Combat Air Programme) مع بريطانيا وإيطاليا لتطوير مقاتلة الجيل السادس المشتركة بحلول 2035 - أول مشروع تسليح استراتيجي كبير تخوضه اليابان مع شريك أوروبي غير أمريكي منذ عقود.
٣ شبكة التحالفات المتوسعة
طوكيو لا تكتفي بتعزيز قدراتها الذاتية - بل تُوسّع شبكة شراكاتها الأمنية بسرعة. اتفاقية "GSOMIA" لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع كوريا الجنوبية، رغم توترات الذاكرة التاريخية بين البلدين، عادت للعمل الكامل بعد تجميد جزئي. اليابان أيضاً تُعمّق التعاون الثلاثي مع أستراليا والفلبين في بحر الصين الجنوبي، وتستضيف تدريبات مشتركة متزايدة مع القوات الأمريكية على أوكيناوا، حيث تتمركز وحدة "فيلق مشاة البحرية الساحلي" الأمريكي الجديد المصمم خصيصاً لسيناريوهات مواجهة محتملة في مضيق تايوان.
٤ ردود الفعل الإقليمية
أمريكا ترحّب - شريك أكثر فاعلية في مواجهة الصين. كوريا الجنوبية قلقة من ذاكرة الاحتلال الياباني رغم التحالف، وتُتابع باستمرار أي إشارة لتراجع طوكيو عن اعترافها بمسؤوليتها التاريخية، خصوصاً حول ملفات مثل زيارات مسؤولين لضريح ياسوكوني المثير للجدل. الصين تنتقد وتُحذّر من "عودة العسكرة اليابانية". كوريا الشمالية تُهدد. والشعب الياباني نفسه منقسم - استطلاعات تُظهر قلقاً من التخلي عن الهوية السلمية التي شكّلت جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية اليابانية لثلاثة أرباع القرن.
إعادة تسليح اليابان تحوّل استراتيجي حقيقي يُغير موازين شمال شرق آسيا. يابان عسكرياً فاعلة تُعزز الردع ضد الصين وكوريا الشمالية - لكنها تفتح أيضاً ديناميكيات سباق تسلح إقليمية يصعب احتواؤها، في منطقة تضم بالفعل أعلى تركيز عالمي للقدرات النووية والصاروخية المتقدمة.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
