في 2018، أعلن العالم الصيني هي جيانكوي — في بثّ مباشر على الإنترنت فاجأ العالم العلمي — أنه نجح في تعديل جينات جنينَين بشريَّين باستخدام تقنية كريسبر لمقاومة فيروس الإيدز. أُدين وسُجن. لكن ما فعله لا يُمكن التراجع عنه: أثبت أن تعديل الجينوم البشري بات في متناول باحث واحد بمختبر متواضع الميزانية. الثورة البيولوجية التي كانت حِكراً على مختبرات العمالقة باتت ديمقراطية — وهذا بالضبط ما يُرعب أجهزة الأمن الوطنية.
تقنية كريسبر-كاس9 التي حصل مبتكراها جنيفر داودنا وإيمانويل شاربنتييه على جائزة نوبل للكيمياء 2020 تُمكّن من «قصّ» الحمض النووي وإعادة تركيبه بدقة لم تكن ممكنة قبل عقد. التطبيقات الطبية ثورية وإيجابية. لكن التطبيقات العسكرية التي لا تنفصل عن المنطق التقني ذاته تجعل اتفاقية الأسلحة البيولوجية لعام 1972 تبدو وثيقة من حقبة اخترعت فيها طائرات ذات دفّة وأضواء وميض — في مواجهة عالم الطائرات الشبح.
سرعة تُذهل المخطّطين وتتخطى المشرّعين
ما يُميّز الثورة البيولوجية عن سابقاتها التكنولوجية — النووية والكيماوية والسيبرانية — هو عاملان متشابكان: التسارع الأسّي في التطوير، وانتشار القدرات خارج نطاق الدول الكبرى. تقنية كريسبر الآن متاحة تجارياً بمئات الدولارات. مختبر جامعي في دولة نامية يستطيع نظرياً ما كان يستلزم تمويلاً حكومياً ضخماً قبل عقد.
التسارع في تسلسل الجينوم متعدد الوجوه: تكلفة تسلسل الجينوم البشري الكامل انخفضت من ثلاثة مليارات دولار عام 2003 إلى أقل من مئتي دولار في 2025. الذكاء الاصطناعي يُسرّع التحليل الجينوميكي بمئات المرات. ومعادلة «التصميم-البناء-الاختبار» للكائنات المُعدَّلة جينياً أصبحت أسابيع لا سنوات. هذه السرعة تعني أن أجهزة الأمن القومي تلحق دائماً بما تمّ تطويره — لا بما سيأتي.
📊 تحليل — تكاليف التطوير البيولوجي عبر الزمن
تكلفة إنشاء مختبر لتعديل جيني أساسي: 500,000 دولار في 2010 مقابل أقل من 20,000 دولار في 2026. تكلفة تسلسل جينوم بكتيريا: 50,000 دولار في 2000 مقابل أقل من 50 دولاراً في 2026. عدد الدول ذات قدرات ذات الاستخدام المزدوج (بحث + أسلحة): 9 دول في 2000 مقابل أكثر من 30 دولة في تقديرات 2026. هذه الأرقام لا تُوصف بـ«الانتشار» فحسب — بل بـ«الفوضى».
كريسبر كسلاح: من مقصّ جينات إلى مقصّ حضارات
التطبيقات العسكرية المحتملة لتقنية كريسبر تتراوح بين المألوف والمُزعج والمُرعب. على الطيف «المألوف» نسبياً: تطوير عوامل ممرضة مقاومة للمضادات الحيوية تستهدف القوات العسكرية المعادية. على الطيف «المُزعج»: تعديل الحشرات ناقلة الأمراض لرفع فاعلية الأوبئة في مناطق محددة. على طيف «المُرعب»: ما يُعرف بـ«الأسلحة الجينية المُستهدِفة» التي تستغل الاختلافات الجينية السكانية لاستهداف مجموعة عرقية أو جغرافية بعينها دون أخرى.
هذا الأخير — السلاح الجيني العرقي — ليس من خيال العلم الخيالي. استخباريون أمريكيون أكدوا أن الصين تُجمّع قواعد بيانات جينومية ضخمة — من خلال شركات تجارية كـ BGI Genomics ومن خلال اتفاقيات أبحاث دولية — ويُثير هذا الجمع المنهجي قلقاً بالغاً من احتمال توظيفه مستقبلاً لفهم الاختلافات الجينية السكانية بين الأمريكيين والأوروبيين وسائر الشعوب بصورة تتجاوز الأغراض الطبية.
أمريكا والصين وروسيا: ثلاث استراتيجيات في ميدان بيولوجي واحد
الولايات المتحدة تضخّ مئات الملايين سنوياً في «داربا-بيو» — الذراع البيولوجي لوكالة مشاريع الدفاع المتقدمة. المشاريع مصنّفة، لكن ما رُفعت عنه السرية يُشير إلى تطوير كائنات مُهندَسة للكشف عن الأسلحة الكيماوية، وبكتيريا لتحسين قدرات الجنود، وفطريات لتحليل الوقود والمواد المتفجرة.
الصين تُدير برنامجاً بيولوجياً-عسكرياً لا يُقارن بالمعلومات المتاحة. ما يُعرف هو استثمار ضخم في بنية تحتية جينومية، وبحث واسع في تعزيز الأداء البشري، وعقود تعاون بين مختبرات أكاديمية وجيش التحرير الشعبي لم يُكشف عنها. روسيا تمتلك إرثاً سوفيتياً ضخماً في الأسلحة البيولوجية — «بيوبريبارات» — لم يُفكَّك كاملاً، ويُقلق الغرب أن موسكو تُوظّف هذا الإرث في صياغة قدرات جديدة.
حين يسبق التطور القانون: فجوة الحوكمة البيولوجية
اتفاقية الأسلحة البيولوجية والتوكسينية لعام 1972 هي اتفاقية نزع تسلح دولية لا آلية تحقق لها — وهو فارق جوهري. لا مفتشون دوليون، لا إجراء تحقق لمعرفة ما يجري في المختبرات الوطنية. الدول الموقّعة تُفيد طوعياً عن برامجها «الدفاعية» دون التزام بالشفافية الكاملة. هذه الهشاشة المؤسسية صُمِّمت في حقبة كانت فيها البيولوجيا العسكرية تستلزم موارد ضخمة وبنية تحتية لا تخطئها أقمار التجسس. في عالم 2026 حيث كريسبر في متناول الطلاب، هذه المعادلة لا تصمد.
⚠️ ملاحظة استراتيجية
التهديد الأكبر في السباق البيولوجي-العسكري ليس هجوماً بيولوجياً مُدبَّراً من دولة كبرى — بل «حادثة» في مختبر من المختبرات الضخمة ذات الاستخدام المزدوج تنتج عن اشتراك الدوافع التجارية والعسكرية والبحثية في منشأة واحدة. كوفيد-19 — بصرف النظر عن مصدره المُتنازَع عليه — أظهر كيف يمكن لحادثة في مختبر واحد أن تُحوّل العالم. والمختبرات التي تعمل في المنطقة الرمادية بين البحث والتسليح تتكاثر.
الخلاصة التي يخرج بها أي تحليل جاد في هذا الملف هي أن الثورة البيولوجية تُطرح أمام الحضارة البشرية سؤالاً أشد إلحاحاً من أي تقنية سابقة: الذرة أنتجت القنبلة النووية، لكن البشرية نجحت — بصعوبة — في بناء نظام حظر الانتشار. الثورة البيولوجية أسرع انتشاراً، وأصعب مراقبة، وأكثر قابلية للتوزيع الديمقراطي — مما يعني أن المهلة لبناء نظام حوكمة فعّال أقصر بكثير مما كانت في الحقبة النووية.
polô
تحليلات معمّقة في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية — نقرأ العالم بعيون مستقلة.