الشرق الأوسط: التوتّر كنظام دائم، والصراع السعودي-الإيراني كبنية
رغم مصافحة بكين ٢٠٢٣ التاريخية بين الرياض وطهران، لم تنطفئ جمرة المنافسة. إنها تتحوّل أشكالها فقط، من حروب الوكالة إلى صراع على تعريف المستقبل الخليجي.
كلّ محاولة لفهم الشرق الأوسط خارج إطار المنافسة السعودية-الإيرانية تُفشل في تفسير جوهر المنطقة. من اليمن إلى لبنان، ومن سوريا إلى العراق والبحرين، لا توجد تقريباً أزمة لا تحمل بصمة هذا الصراع المزدوج: صراع على الشرعية الدينية، وصراع على القيادة الإقليمية.
ما تغيّر منذ ٢٠٢٣، حين جمعت بكين المسؤولَين السعوديَّين والإيرانيَّين في مصافحة مفاجئة، ليس طبيعة الصراع، بل قواعده. اختفى الاصطدام العلني، وبقي الصراع البنيوي. إنها "برودة مُعدّلة" لا سلام حقيقي.
البعد الطائفي: أقلّ أهمّية ممّا يُعتقد
كثيراً ما يُختزل الصراع السعودي-الإيراني في ثنائية "سنّة ضدّ شيعة". هذا اختزال مضلّل. المنافسة في جوهرها على الهيمنة الإقليمية والسيطرة على أسعار النفط، وطائفيّتها وسيلة تعبئة لا محرّك أصلي.
ساحات الصراع: الخريطة المنسيّة
اليمن: الجبهة التي لا تنتهي
رغم الهدنة الهشّة منذ ٢٠٢٢، يبقى اليمن البرهان الأكثر وضوحاً على أنّ الصراع السعودي-الإيراني ليس قد انتهى بل تحوّل. هجمات الحوثيين في البحر الأحمر منذ ٢٠٢٣ هي تطوير دراماتيكي لقدراتهم، يعكس استثماراً طويلاً من طهران في تحويلهم إلى قوّة إقليمية، لا مجرّد ميليشيا محلّية.
لبنان: اللبنان الذي لم يعد لبنان
انهيار الدولة اللبنانية منذ ٢٠١٩، ومواجهة حزب الله مع إسرائيل ٢٠٢٣-٢٠٢٤، كشفا عن أنّ لبنان لم يعد دولة بالمعنى الفعلي، بل ساحة تتداخل فيها المصالح الإيرانية والسعودية والإسرائيلية، مع مجتمع محلّي فقد القدرة على التعبير عن إرادته المستقلّة.
العراق وسوريا: هلال طهران
تمدّد النفوذ الإيراني من بغداد إلى دمشق، ثمّ إلى بيروت، شكّل ما سُمّي "الهلال الشيعي". بعد سقوط الأسد في ديسمبر ٢٠٢٤، تلقّى هذا الهلال ضربة قاسية، وإن لم تُكسر سلسلته نهائيّاً.
"ما يُشكّل الشرق الأوسط ليس العنف، بل إدارة العنف. الأنظمة التي تبقى هي التي تعرف كيف توجّه العنف نحو الخارج، لا الداخل." — الراحل فؤاد عجمي في محاضرة بجامعة هارفارد، ٢٠١٤
السعودية الجديدة: نموذج التحوّل القسري
رؤية ٢٠٣٠ السعودية، وما رافقها من فتح اجتماعي غير مسبوق (ترفيه، سياحة، مشاركة المرأة)، ليست مجرّد تحديث اقتصادي. إنّها محاولة استباقية لبناء شرعية لنظام الحكم في عالم ما بعد النفط، ومحاولة لتجاوز التحدّي الأيديولوجي الإيراني بتحدٍّ مضادّ: "نحن النموذج، لا أنتم".
| المؤشّر | السعودية | إيران |
|---|---|---|
| السكّان | ٣٥ مليون | ٨٩ مليون |
| الناتج المحلّي | $١.١ تريليون | $٤٠٠ مليار |
| الإنفاق العسكري ٢٠٢٥ | $٧٥ مليار | $٢٤ مليار |
| القوّة الصلبة | سلاح متقدّم غربي | صواريخ وطائرات مسيّرة محلّية الصنع |
| القوّة الناعمة الرئيسية | الهيمنة الاقتصادية والدينية السنّية | شبكات الوكلاء والأيديولوجيا الثورية |
| الحلفاء الرئيسيّون | أمريكا، باكستان، مصر | روسيا، الصين، سوريا (سابقاً) |
إيران ما بعد ٢٠٢٤: استراتيجية "الصبر السامّ"
بعد ضربات إسرائيل المتتالية على العمق الإيراني، وسقوط الأسد، وانهيار "الهلال"، تواجه طهران لحظة حقيقة. لكنّها لم تستسلم. بدلاً من ذلك، تتبنّى ما يُسمّيه الاستراتيجيّون الإيرانيّون "الصبر السامّ": عدم الردّ الفوري، بل إعادة البناء الصامتة لشبكات النفوذ، والمضيّ قدماً في البرنامج النووي عند نقطة عتبة الانفجار.
العامل الإسرائيلي: متغيّر أم ثابت؟
موجة التطبيع الخليجي-الإسرائيلي التي انطلقت باتفاقيات أبراهام ٢٠٢٠، توقّفت فجأة بعد حرب غزة ٢٠٢٣-٢٠٢٥. لكنّها لم تُلغَ. البنية تبقى، والحسابات الاستراتيجية المشتركة ضدّ إيران تُؤسّس لتعاون خفيّ يستمرّ في الظلّ.
سيناريوهات العقد القادم
تعايش تنافسي بارد
مصافحة بكين تصمد. منافسة بالوكلاء والاستثمار، لا بالسلاح. انفتاح اقتصادي جزئي مع إيران دون حلّ الخلافات البنيوية.
مواجهة مباشرة محدودة
حادثة في مضيق هرمز أو هجوم على منشأة نفطية تفتح جولة مواجهة مُقنّنة، لا حرب إقليمية شاملة.
انهيار النظام الإيراني داخلياً
الضغط الاقتصادي والاجتماعي المتراكم يُسقط الجمهورية الإسلامية، ما يفتح فراغاً إقليميّاً هائلاً ذا عواقب غير محسوبة.