تحليلات جيوسياسية — القوى والصراعات في القرن الحادي والعشرين Français · الاشتراك
مجلة جيوسياسية استراتيجية مستقلة · ar.geopolo.com
📧 الاشتراك ←
هل يستطيع حلف الناتو البقاء وسط انقساماته المتزايدة حول الشرق الأوسط؟
🌐 تحليل جيوسياسي ⏱ 16 دقيقة قراءة
أوروبا · الناتو
تحليل معمّق · 2026

هل يستطيع حلف الناتو البقاء وسط انقساماته المتزايدة حول الشرق الأوسط؟

التحالف الذي بُني لتهديد واحد يواجه انقسامات حول تهديد آخر — تركيا وأوروبا وحدود الإجماع

geopolo· 📅 2026· 16 دقيقة· 🗂 أوروبا · الناتو ⏱ 16 دقيقة قراءة
شارك:
🔑 محاور المقال: الناتوتركياالشرق الأوسطالانقساماتالأمن الأوروبي

في اللحظات الكبرى من التاريخ، تظهر التحالفات على حقيقتها: مجموعات من الدول تلتزم بمبادئ مشتركة في زمن السلم، وتكتشف عمق خلافاتها في زمن الأزمات. حلف الناتو، أكبر التحالفات العسكرية في التاريخ، يمر اليوم باختبار من هذا النوع. والمفارقة أن التهديد الأكبر لتماسكه لا يأتي من الشرق، حيث تتحشد القوات الروسية، بل من جنوب المتوسط، حيث تتباين مواقف أعضائه حول الشرق الأوسط بشكل لافت.

🌐
التأسيس: حلف مُصمَّم لتهديد محدد

01التأسيس: حلف مُصمَّم لتهديد محدد

وُلد الناتو عام 1949 في سياق مختلف كلياً: التهديد السوفيتي للغرب الأوروبي، والحاجة إلى ضمانة أمريكية لعدم تكرار الكارثة التي أصابت أوروبا في حربَي القرن الماضي. المادة الخامسة من معاهدته التأسيسية، التي تنص على أن الهجوم على أحد أعضائه يُعدّ هجوماً على الجميع، كانت رسالة واضحة موجهة لموسكو.

لكن الحلف توسع وتطور. مع انتهاء الحرب الباردة، كان أمام الناتو خياران: أن يتحول إلى تحالف سياسي عالمي يتعامل مع الأزمات الدولية أينما كانت، أو أن يعود إلى جوهره الدفاعي الأوروبي. اختار بالفعل المسار الأول، وتورط في أفغانستان ويوغوسلافيا وليبيا، لكن كل تجربة كشفت أن الوحدة التشغيلية لا تستلزم بالضرورة وحدة سياسية.

الشرق الأوسط: جرح قديم يتجدد

02الشرق الأوسط: جرح قديم يتجدد

فيما يخص الشرق الأوسط، لم يتفق الناتو يوماً على رؤية موحدة. الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 أحدث شرخاً عميقاً: فرنسا وألمانيا رفضتا بشكل صريح المشاركة، وتركيا رفضت استخدام أراضيها قاعدةً لعمليات بريطانية. وعندما جاءت أزمة الربيع العربي واندلعت الحرب الليبية عام 2011، شاركت بعض الدول الأعضاء في عملية "الحامي الموحد"، فيما أحجمت ألمانيا وتحفظت دول أخرى.

اليوم، تتعمق هذه الفجوات. تطور العلاقة بين تركيا وإسرائيل، والموقف من الصراع الغزاوي، وملف إيران ومسألة إعادة بناء قدراتها النووية، كلها تخلق مواقف تقارب بعض أعضاء الناتو من الأطراف الإقليمية على حساب التماسك الداخلي.

تركيا: عضو بمنطق مختلف

03تركيا: عضو بمنطق مختلف

في قلب هذه الانقسامات، تقف تركيا مثالاً فارقاً. أنقرة، العضو الثاني من حيث الحجم في الحلف، تعيش منذ عقد على أقل تقديراً في منطقة رمادية داخل الحلف: فهي تحتفظ بعلاقات مع موسكو وتشتري منها منظومة S-400 الصاروخية رغم الاعتراضات الغربية الحادة، وهي تتخذ مواقف مغايرة لأغلب أعضاء الحلف في ملفات الشرق الأوسط، وهي أيضاً لها مصالح إقليمية خاصة في سوريا والعراق وليبيا تتعارض أحياناً مع مصالح شركائها.

مسألة قبول السويد وفنلندا في الحلف كشفت هذه التعقيدات بجلاء: أنقرة أخّرت موافقتها لأشهر طويلة، مستخدمةً ورقة التوسع للضغط على حلفائها في ملفات أخرى. هذا النموذج من "العضوية التفاوضية" يُضعف ثقل الالتزامات المشتركة.

أوروبا الجنوبية: البوابة الرئيسية لضغوط الهجرة والأمن

04أوروبا الجنوبية: البوابة الرئيسية لضغوط الهجرة والأمن

دول كإيطاليا واليونان وإسبانيا، المطلة على البحر المتوسط، ترى الشرق الأوسط بعيون مختلفة عن الدول الأعضاء الشمالية. أزمات الهجرة، مسار إمدادات الطاقة، والعلاقات التاريخية مع دول شمال أفريقيا والمشرق، تجعل هذه الدول أكثر حساسية لأي تصعيد في المنطقة، وأقل استعداداً للانخراط في مواقف مواجهة مع دول كإيران أو الفصائل المسلحة المتحالفة معها.

مستقبل الحلف: إعادة تعريف الهوية أم تعميق الانقسامات؟

05مستقبل الحلف: إعادة تعريف الهوية أم تعميق الانقسامات؟

الناتو اليوم أمام مفترق. يستطيع البقاء وإدارة انقساماته شريطة أن يحافظ على التمييز بين مهمته الأصلية الدفاعية في أوروبا وبين التدخل في ملفات إقليمية يصعب بناء إجماع حولها. لكن هذا التمييز يصبح أصعب في عالم حيث تترابط الأزمات، وحيث يؤثر ما يجري في الشرق الأوسط مباشرةً على أمن الطاقة الأوروبي وأمن الحدود الجنوبية للحلف.

الخطر الحقيقي ليس في انهيار الحلف رسمياً، بل في التآكل التدريجي لمصداقيته: حيث تصبح كل أزمة استثناءً على الالتزامات المشتركة، وكل موقف خلافي ذريعةً للتشكيك في جدوى التحالف نفسه. وإذا استمر هذا التآكل، فلن يكون الناتو بحاجة إلى عدو خارجي يهزمه.

ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · مؤسس geopolo

صحفي ومحلل في الجيوسياسة والعلاقات الدولية، متخصص في شؤون الأمن والدفاع، وحاصل على دبلوم دراسات عليا في العلاقات الدولية (مسار الأمن والدفاع).

📬 النشرة الأسبوعية — مجاناً

تحليلات جيوسياسية معمّقة كل أحد في بريدك. انضم إلى 12,000 قارئ.

بدون إزعاج · إلغاء في أي وقت