طوال عقود ما بعد الحرب الباردة، ظلت أوروبا هي المسرح الأول لاهتمام الاستراتيجيين الغربيين: ناتو يتوسع شرقاً، موسكو تتذمر، وتوازن نووي يُدار بدقة متناهية. لكن منذ منتصف العقد الثاني من هذا القرن، يتساءل المحللون بصوت متزايد: أين تنام الأزمة الكبرى القادمة؟ الإجابة تتجه بشكل متصاعد نحو المحيط الهادئ. مضيق تايوان، بحر الصين الجنوبي، جزر سنكاكو المتنازع عليها بين اليابان والصين، الملف الكوري الشمالي بأسلحته النووية، كلها نقاط اشتعال محتملة تحتوي من الخطورة ما يجعلها أكثر قابلية للانفجار من الحدود الأوروبية.
01بنية الأزمة في الهادئ: لا قواعد جاهزة
ما يجعل منطقة آسيا-المحيط الهادئ أكثر خطورة بنيوياً هو غياب آليات الأمن الجماعي التي طورتها أوروبا على مدى عقود. الناتو تتوافر له آليات تشاور وقرار جماعي وتخطيط عسكري مشترك. في المحيط الهادئ، لا يوجد ما يعادل ذلك. التحالف الأمريكي-الياباني، والتحالف الأمريكي-الكوري الجنوبي، وAUKUS، كلها شبكة من التحالفات الثنائية لا هيكل أمني جماعي يعمل وفق قواعد واضحة.
هذا الغياب يعني أن الأزمات تُدار في الأغلب من خلال التصعيد التدريجي والردع المتبادل بدلاً من آليات الوقاية المؤسسية. والتصعيد التدريجي في منطقة تملك فيها الصين وكوريا الشمالية أسلحة نووية وتقف فيها الولايات المتحدة في مواجهتهما، يحمل مخاطر نظرية هائلة.
02الحجم الاقتصادي للأزمة: ما الذي يمكن أن يحترق
أوروبا تمثل نحو سبعة عشر بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي. لكن آسيا-المحيط الهادئ، بالصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند، تمثل اليوم قرابة ثلاثة وأربعين بالمئة من الناتج الإجمالي العالمي. حرب في مضيق تايوان لن تكون مجرد كارثة إقليمية، بل ستكون صدمة اقتصادية عالمية بحجم غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية.
شبكات الإنتاج في آسيا تمتد عبر الحدود بطرق معقدة: قطع إلكترونية تُنتَج في الصين، وتُجمَّع في تايوان، وتدخل في أجهزة تُصنَّع في اليابان وكوريا، ثم تصل إلى المستهلك الأمريكي والأوروبي. قطع هذه السلاسل يعني ركوداً اقتصادياً عالمياً أشد حدةً مما شهده العالم حتى الآن.
03الأسلحة النووية في الهادئ: ثلاثة ألعاب لاعبون
يُضاف إلى كل ذلك بُعد نووي معقد. كوريا الشمالية تملك ترسانة نووية وأكدت باستمرار استعدادها لاستخدامها. الصين توسّع ترسانتها النووية بشكل ملحوظ. واليابان وكوريا الجنوبية، رغم خضوعهما للمظلة النووية الأمريكية، يتساءلان بصوت أعلى عن جدوى هذه المظلة في سيناريوهات أزمة حادة. وهناك دائماً احتمال أن تُقدم كوريا الشمالية أو الصين على استخدام رادع محدود يُجبر الغرب على قرارات صعبة.
04الردع في المحيط الهادئ: أمريكا تواجه تحدياً لوجستياً هائلاً
التحدي الاستراتيجي الأمريكي في المحيط الهادئ له بُعد لوجستي لا يظهر في الخطابات الرسمية: المسافات شاسعة والحضور العسكري الأمريكي يعتمد على قواعد محدودة في اليابان وكوريا وغوام. أي أزمة سريعة في مضيق تايوان قد لا تتيح الوقت الكافي لنشر القوات الأمريكية الكافية لردع التصعيد، وهو ما تحسبه أركان الحرب الصينية بعناية.
05الخاتمة: الهادئ المضطرب
الحروب في التاريخ غالباً ما تندلع من حيث لا يتوقع أحد بالضبط. ما كان الأوروبيون يعتقدون عام 2021 أن حرباً برية شاملة ستعود إلى قارتهم، ومع ذلك حدث ذلك في أوكرانيا. المحيط الهادئ اليوم يجمع ما لا يصح اجتماعه: قوى نووية، نقاط نزاع إقليمي محددة ومحتدمة، وغياب شبكة أمن جماعي ناضجة تُدار في ضوئها الأزمات. وهذا المزيج يستحق أن يُعامَل بجدية لا تقل عن جدية أزمات أوروبا، بل ربما أكثر.
استراتيجية "الطوق الفولاذي": كيف تحاصر بكين تايوان تدري…
من الطوق الاقتصادي إلى التطبيع العسكري — بكين تُعيد رسم الواقع الاستراتيجي …
← اقرأ المقالهل ما تزال العقوبات الاقتصادية سلاحاً فعالاً في القرن ا…
أداة تُريح صانعها أكثر مما تُكلّف هدفها — دروس إيران وروسيا وكوريا الشمالية…
← اقرأ المقالهل يستطيع حلف الناتو البقاء وسط انقساماته المتزايدة حول…
التحالف الذي بُني لتهديد واحد يواجه انقسامات حول تهديد آخر — تركيا وأوروبا …
← اقرأ المقاللماذا تستثمر الصين بكثافة في الذكاء الاصطناعي الحربي وا…
من يملك الخوارزمية يملك المعركة — استراتيجية الاندماج المدني-العسكري وثورة …
← اقرأ المقال