ثلاث دول تتشارك سمة غريبة: قيادتها تُشغلها ذاكرة إمبراطورية وجرح تاريخي. روسيا بوتين تريد استعادة المجال السوفييتي. الصين تسعى لمئويتها الثانية (2049) عودةً للعظمة. تركيا أردوغان تُراود أحلام العثمانية الجديدة. هذه الطموحات الإمبراطورية تُفسّر كثيراً من أزمات جيوسياسيتنا المعاصرة - وتُظهر أن التاريخ، حين يُوظَّف سياسياً بذكاء، يبقى أداة تعبئة أقوى من أي خطاب اقتصادي أو أيديولوجي حديث.

الذاكرة التاريخية تُغذّي الخطاب السياسي الراهن بقوة: الحزب الشيوعي الصيني يستحضر باستمرار "قرن الإهانة" الممتد بين 1839 و1949 لتبرير طموحه لاستعادة المكانة، فيما يُحدَّد عام 2049 - الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية - كموعد نهائي لتحقيق "الحلم الصيني". سقوط السلطنة العثمانية عام 1922 لا يزال حاضراً في الخطاب التركي المعاصر حول استعادة النفوذ الإقليمي. وفلاديمير بوتين وصف انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين" - عبارة تختصر الدافع الأيديولوجي وراء السياسة الروسية الحالية.

١ روسيا: الجرح السوفييتي و"العالم الروسي"

بوتين وصف انهيار الاتحاد السوفييتي بـ"أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين". غزو أوكرانيا 2022 يمكن قراءته في هذا الإطار: ليس مجرد توسع أراضٍ - بل محاولة إعادة رسم الحدود المعنوية للمجال الروسي الذي اعتبره بوتين ممزّقاً بشكل غير شرعي بعد 1991. هذا الخطاب يستند إلى مفهومين أيديولوجيين متجذّرين: "روسكي مير" (العالم الروسي)، الذي يُبرّر التدخل لحماية الناطقين بالروسية أينما وُجدوا خارج حدود الدولة الرسمية، والأوراسية - الفلسفة السياسية التي روّج لها المفكر الروسي ألكسندر دوغين، والتي تصوّر روسيا كحضارة مستقلة ومتفوقة أخلاقياً على "الغرب المنحل"، لا مجرد دولة أوروبية عادية بين الدول.

٢ الصين: "المئوية المُهانة" و"الحلم الصيني"

الروايةُ التأسيسية للحزب الشيوعي الصيني: قرن من الإهانة (1839-1949) بدأ بحروب الأفيون التي فرضت على الصين معاهدات غير متكافئة كمعاهدة نانجينغ، ومرّ بالاحتلال الياباني ونهب القوى الأجنبية لموانئها ومدنها الكبرى. هذه الفترة، التي تُدرَّس بتفصيل شديد في المناهج المدرسية الصينية، تُستخدم اليوم كأساس شرعي لما يسميه الرئيس شي جين بينغ رسمياً منذ 2012 بـ"الحلم الصيني" أو "التجديد العظيم للأمة الصينية" - هدف مُعلن يستهدف عام 2049، الذكرى المئوية الأولى لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، كموعد نهائي لاستعادة الصين مكانتها "الطبيعية" كأعظم قوة عالمية. تايوان، بحر الصين الجنوبي، الهيمنة التقنية - كلها تُقرأ رسمياً في بكين ضمن هذا السياق الاسترجاعي، لا كتوسّع جديد بل كـ"تصحيح تاريخي" مؤجَّل.

٣ تركيا: الحلم العثماني الجديد و"الوطن الأزرق"

أردوغان يُوظّف الإرث العثماني سياسياً وثقافياً بشكل ممنهج: الدراما التلفزيونية القومية الضخمة ("أرطغرل" و"عبد الحميد الثاني")، إعادة تحويل آيا صوفيا لمسجد عام 2020 بعد 86 عاماً كمتحف، والتدخل العسكري المباشر في ليبيا وسوريا وأذربيجان. على الصعيد البحري، تتبنّى أنقرة رسمياً عقيدة "الوطن الأزرق" (Mavi Vatan) التي توسّع مطالبات تركيا بالمياه الإقليمية في شرق المتوسط بشكل يتصادم مع اليونان وقبرص ومصر. وكالة التعاون والتنسيق التركية (TIKA) ورئاسة الشؤون الدينية (الديانت) تعملان كذراعين ناعمتين لتوسيع النفوذ التركي في أراضٍ كانت يوماً تحت الحكم العثماني، من البلقان إلى شمال أفريقيا. تركيا تُقدّم نفسها بذلك زعيمة طبيعية للعالم الإسلامي والتركي خارج حدودها الرسمية.

🔍 لماذا لم تسلك بريطانيا وفرنسا المسار نفسه؟

بريطانيا وفرنسا فقدتا إمبراطوريتيهما الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية أيضاً - لكنهما وجدتا مساراً بديلاً لاستيعاب فقدان المكانة: الاندماج في أطر متعددة الأطراف (الكومنولث البريطاني، الاتحاد الأوروبي الفرنسي) منحتهما نفوذاً مستمراً دون الحاجة لخطاب استرجاعي عسكري. الفارق الجوهري: كلتا الدولتين حافظتا على مقعد دائم في مجلس الأمن ونفوذ اقتصادي عالمي متواصل، بينما شعرت روسيا والصين وتركيا - كل بطريقتها - بانقطاع حاد ومهين عن مكانة سابقة، ما يجعل الخطاب الاسترجاعي أكثر جاذبية سياسياً داخلياً.

⚖ الحكم الاستراتيجي

الذاكرة التاريخية قوة جيوسياسية حقيقية - وفهمها ضروري لتفسير سلوك الدول، لا مجرد خلفية ثقافية زخرفية. الخطر: عندما تصطدم الطموحات الإمبراطورية بنظام دولي يقوم على سيادة الدول وتحريم التوسع بالقوة - تنشأ الأزمات الكبرى، كما تُظهر أوكرانيا بوضوح. الفارق بين روسيا والصين وتركيا في هذا السياق هو الوسيلة لا الدافع: موسكو تستخدم القوة العسكرية المباشرة، بكين تراهن على الصبر الاستراتيجي طويل الأمد، وأنقرة تمزج بين الأداتين حسب الساحة والفرصة المتاحة.

❓ أسئلة شائعة
هل العقلية الإمبراطورية تُؤثر فعلاً على القرارات السياسية؟
الدراسات تُظهر أن القادة الذين يتبنّون خطاباً تاريخياً استرجاعياً موروثاً يميلون لقرارات أكثر مخاطرة وأقل انتباهاً للتكاليف الاقتصادية قصيرة المدى. الحرب الأوكرانية مثال حي على ذلك.
ما هو مفهوم "العالم الروسي" (Russkiy Mir)؟
أيديولوجيا روسية تعتبر أن موسكو تتحمل مسؤولية "حماية" كل الناطقين بالروسية والمرتبطين ثقافياً بروسيا أينما وُجدوا، حتى خارج حدود الدولة الرسمية - أساس استُخدم لتبرير التدخل في أوكرانيا وجورجيا.
ماذا يعني "الحلم الصيني" الذي يتحدث عنه شي جين بينغ؟
شعار سياسي رسمي تبنّاه شي جين بينغ منذ 2012، يستهدف "التجديد العظيم للأمة الصينية" بحلول 2049 - الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية - كموعد لاستعادة الصين مكانتها كأعظم قوة عالمية.
لماذا لم تنتهج بريطانيا وفرنسا مساراً استرجاعياً مشابهاً؟
لأنهما وجدتا مسارات بديلة للحفاظ على نفوذ دولي حقيقي بعد فقدان إمبراطوريتيهما - مقعد دائم في مجلس الأمن، الاتحاد الأوروبي، والكومنولث - بعكس روسيا والصين وتركيا التي شعرت كل منها بانقطاع أكثر حدة عن مكانة سابقة.
ناصر الصبري
ناصر الصبري
محلل جيوسياسي · مؤسس geopolô
تحليل معمّق للتحولات الجيوسياسية الكبرى في العالم.

📩 لا تفوّت أي تحليل

نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية