الإمبراطورية لم تنتهِ، ربما. بعد عقود من الإعلان عن موت الإمبراطوريات وانتصار نظام الدول القومية والمؤسسات الدولية، نلحظ اليوم ظاهرة لافتة: عودة الخطاب الإمبراطوري والنزوعات التوسعية إلى أجندات ثلاث قوى إقليمية كبرى في آن واحد. روسيا تتحدث عن "العالم الروسي" وتجمع الشعوب السلافية. تركيا تستحضر الماضي العثماني وتتحدث عن نفوذ في العالمَين التركي والإسلامي. والصين تتكلم عن "تجديد الحضارة الصينية" وإعادة الأمة إلى مكانتها التاريخية. ما الذي يجمع هذه النزوعات، وما دلالتها على مستقبل النظام الدولي؟
01الذاكرة الإمبراطورية كوقود سياسي
ثمة ما يجمع هذه الدول الثلاث: كلها ورثت هوية إمبراطورية راسخة، وكلها تعرضت لما تصفه باعتبار ذلاً تاريخياً على أيدي الغرب. روسيا وتفكك الاتحاد السوفيتي الذي وصفه بوتين بالكارثة الجيوسياسية. تركيا ومعاهدة سيفر عام 1920 التي مزقت الإمبراطورية العثمانية. الصين و"قرن الإذلال" الذي امتد من حرب الأفيون حتى نهاية الحرب الأهلية.
هذه الذاكرة المؤسِّسة تجعل الخطاب الإمبراطوري أداةً سياسية داخلية فعّالة. بوتين يعزز شرعيته الداخلية بوعد استعادة العظمة الروسية. أردوغان يبني شعبيته على الهوية العثمانية المستعادة. وشي جين بينغ يتحدث عن حلم الصين الذي يوحّد مشروع الحزب الشيوعي بالهوية القومية الحضارية.
02روسيا: إعادة رسم الحدود بالقوة
الأكثر صراحةً في التعبير عن هذه النزعة التوسعية كانت روسيا. ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، وإعلان ضم أربع محافظات أوكرانية عام 2022، واحتلال أجزاء من جورجيا عام 2008، تُجسّد استراتيجية تقوم على مسلّمة أن روسيا لها نطاق نفوذ حيوي لا يحق لأي جار التحالف مع الغرب ضمنه. هذه ليست سياسة خارجية في المفهوم الليبرالي للعلاقات الدولية، بل هي فكرة إمبراطورية عن "فناء خلفي" لا يخضع لقواعد الأمم المتحدة.
03تركيا: العثمانية الجديدة بوجوه متعددة
الحالة التركية أكثر تعقيداً وأدق في مسالكها. أردوغان لا يسعى إلى ضم أراضٍ بالقوة العسكرية المباشرة، بل إلى توسيع النفوذ عبر قنوات متعددة: الاستثمار الاقتصادي في دول آسيا الوسطى ذات الأصول التركية، التدخل العسكري المحدود في ليبيا وسوريا وأذربيجان، الشبكات الدينية عبر ديانة وضياء، واستخدام العضوية في الناتو ورقةً تفاوضية.
النفوذ التركي في الصومال والقرن الأفريقي، وفي دول مثل ألبانيا وكوسوفو حيث تقوم تركيا ببناء مساجد ومستشفيات ومدارس، كلها تعبيرات عملية عن مشروع تركيا كقوة إقليمية كبرى تجمع بين الهوية العثمانية والإسلامية والتركية.
04الصين: إمبراطورية بلا حدود مُعلنة
الحالة الصينية هي الأكثر خصوصية. الصين لا تُعلن عن رغبتها في إمبراطورية بالمعنى الكلاسيكي، لكن توسع نفوذها البحري والاقتصادي والتكنولوجي يُنشئ واقعاً من الاعتماد والتبعية يشبه من حيث الوظيفة ما تفعله الإمبراطوريات. فرق التعبير عن فرق الجوهر؟ ربما. لكن الدول التي ترزح تحت ثقل الديون الصينية وتعاقدات الموانئ وشروط الاستثمار قد لا تجد الفرق كبيراً.
05الخاتمة: النظام الدولي تحت الضغط
ما تكشف عنه هذه الظاهرة مجتمعةً هو أن المبادئ التي أسّس عليها النظام الدولي ما بعد الحرب الباردة: سيادة الحدود، حق تقرير المصير، حل النزاعات بالحوار الدولي، باتت موضع تحدٍّ من قوى ترى في هذه المبادئ انعكاساً للهيمنة الغربية وليس مبادئ كونية. وعندما تتحدى ثلاث قوى كبرى هذه المبادئ في آن واحد، يصبح سؤال مستقبل النظام الدولي أكثر إلحاحاً.
استراتيجية "الطوق الفولاذي": كيف تحاصر بكين تايوان تدري…
من الطوق الاقتصادي إلى التطبيع العسكري — بكين تُعيد رسم الواقع الاستراتيجي …
← اقرأ المقالهل ما تزال العقوبات الاقتصادية سلاحاً فعالاً في القرن ا…
أداة تُريح صانعها أكثر مما تُكلّف هدفها — دروس إيران وروسيا وكوريا الشمالية…
← اقرأ المقالهل أصبح المحيط الهادئ أكثر خطورة من أوروبا؟
ثلاث قوى نووية وغياب أمن جماعي — لماذا أزمة شرق آسيا قد تكون أشد من أي أزمة…
← اقرأ المقالهل يعود البحر المتوسط مركزاً للمواجهة الاستراتيجية العا…
من قناة السويس إلى حقول الغاز وأزمات الهجرة — البحر المتوسط يتحول مجدداً إل…
← اقرأ المقال