في ربيع 2023، رصدت صور الأقمار الاصطناعية في ميناء سيفاستوبول ظاهرة بعيدة عن كاميرات الصحافة: قفصان بحريان طافيان أُضيفا إلى الرصيف العسكري الرئيسي، في نفس الموقع الذي يحتضن المنشأة الأوكرانية السابقة لتدريب الدلافين — والتي آلت إلى موسكو بعد ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014. لم يصدر أي تعليق رسمي روسي، ولم تُؤكّد أي جهة رسمياً ما كان يجري. لكن محلّلين أمنيين تتبّعوا المشهد بعيون دقيقة توصّلوا إلى استنتاج واحد: البرنامج لم يتوقف.
هذا البرنامج له تاريخ أطول من معظم المُؤسَّسات التي تدير أوكرانيا والحرب الدائرة فيها. بدأ في الخمسينيات في قاعدة سوفيتية في القرم، طوّر خلال عقود ما يُعدّ أكثر تجارب التدريب الحيواني العسكري تقدماً في العالم، واستمر حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تحت الإدارة الأوكرانية التي أبقته بتمويل خفيّ، ثم انتقل إلى موسكو دفعة واحدة عام 2014 — بكل دلافينه المدرَّبة وملفاته البحثية وكوادره المتخصصة.
تاريخ برنامج أُريد له أن يُنسى ولم يُنسَ
في ذروة الحرب الباردة، كانت البحريتان الأمريكية والسوفيتية تتسابقان في كل شيء — بما فيها تدريب الحيوانات. المنطق الاستراتيجي بسيط: الدلفين في مياه المحيط المظلمة يُمثّل مجسَّساً لا يمكن اكتشافه إلكترونياً، وغواصاً لا يُصدر فقاعات هواء، ومنظومة كشف للألغام تفوق كل ما صنعه الإنسان في هذا المجال حتى اليوم. القدرة السمعية للدلافين تُمكّنها من تحديد موقع جسم بحجم كرة التنس على بُعد مئة متر في ظلام المحيط التام.
المرحلة السوفيتية امتدت بين 1967 و1991 وشملت تدريب دلافين وفُقمات وخراج البحر. البرنامج الأوكراني الذي ورث المنشأة كان أكثر تحفّظاً وشحّ التمويل، لكنه حافظ على الحدّ الأدنى من الخبرة والتدريب. الانتقال إلى روسيا 2014 أعاد ضخ الموارد وإعادة تفعيل ما كان يحتضر.
2014: حين غيّرت الدلافين ولاءها
لحظة الضمّ الروسي لشبه جزيرة القرم في مارس 2014 كانت، من بين أشياء أخرى، أكبر عملية نقل فوري لبرنامج عسكري بيولوجي في التاريخ الحديث. الدلافين المُدرَّبة الثلاث عشرة لم تكن لتفهم تغيّر الراية التي ترفرف فوق الرصيف — لكن مدرّبيها فهموا ذلك جيداً. معظم الكادر الأوكراني في المنشأة انتقل إلى الجانب الروسي، سواء طوعاً أو ضغطاً. البرنامج لم يتوقف ولا يوماً واحداً.
ما أضافه الروس بعد 2014 هو الإطار الاستراتيجي الجديد: دمج البرنامج في المنظومة الأمنية لأسطول البحر الأسود، وتخصيصه كوحدة دفاع داخلية للمنشآت البحرية في سيفاستوبول والمناطق المحيطة. مهمة الدلافين المُعلنة هي الكشف عن الغواصين المعادين والألغام البحرية وتحييدها — ليس بصفة هجومية بل دفاعية رسمياً.
📊 تحليل — البرنامج في أرقام
يُقدَّر عدد الدلافين المُدرَّبة الروسية حالياً في قاعدة سيفاستوبول بما بين خمسة وثلاثين وخمسين دلفيناً، وفق تقديرات مصادر استخباراتية غربية متعددة. يُضاف إليها عدد غير مُعلَن من الفقمات وفي بعض الروايات خراج البحر. البرنامج الأمريكي المقابل يحتفظ بنحو خمسة وسبعين دلفيناً موزّعة على قواعد في كاليفورنيا وهاواي ومنطقة الخليج.
حرب أوكرانيا: البُعد البحري الصامت
منذ فبراير 2022، أصبح البحر الأسود ميداناً للحرب البحرية بأنواعها كافة. الزوارق الانتحارية الأوكرانية بلا طيار، والطائرات المسيّرة البحرية، وصواريخ نبتون التي أغرقت مسيرة موسكو — كلها عناوين. لكن ثمة بُعد أقل ظهوراً: عمليات الغطس الخاصة، ومحاولات اختراق الأرصفة البحرية، واستهداف الكابلات والبنية التحتية تحت الماء.
في هذا السياق، برنامج الدلافين في سيفاستوبول يؤدّي دوراً لم تُوثّقه الصحافة بكثير لكنه مُرجَّح من الناحية التحليلية: تأمين الدائرة الأمنية البحرية المباشرة للميناء الرئيسي لأسطول البحر الأسود في مواجهة الغواصين الخاصين ومركبات الاستطلاع تحت الماء.
ما الذي يستطيعه الدلفين المُدرَّب فعلاً؟
التدريب البحري العسكري للدلافين يُقسَّم إلى ثلاث فئات: الكشف (تحديد الأجسام والغواصين)، التمييز (تصنيف التهديد وتحديد طبيعته)، والاستجابة (الإشارة للمشغّل البشري أو — في بعض البرامج — إرفاق جهاز على الهدف). ما لا يفعله الدلفين المُدرَّب تدريباً أخلاقياً هو الهجوم المباشر — لكن روايات غير مؤكدة من البرامج السوفيتية تتحدث عن دلافين دُرِّبت على تثبيت متفجرات على هياكل السفن.
⚠️ ملاحظة استراتيجية
الحجة الأخلاقية ضد توظيف الدلافين في الأغراض العسكرية تصطدم بمعضلة قانونية: اتفاقية الأسلحة البيولوجية 1972 تحظر الكائنات الحية كأسلحة هجومية، لكن «الاستخدام الدفاعي» يبقى في منطقة رمادية. روسيا وأمريكا وعدد من الدول تُصنّف برامجها علناً ضمن «البحث والتطوير» أو «الاستخدام الدفاعي»، مما يُتيح لها المضي قُدماً دون انتهاك رسمي للقانون الدولي.
ما بعد الدلافين: نحو روبوتيك بيولوجي هجين
في معاهد الأبحاث العسكرية الأمريكية والروسية والصينية، يتصاعد الاهتمام بمفهوم أبعد مدىً من تدريب الحيوانات: زرع واجهات إلكترونية في الأجهزة العصبية للكائنات البحرية لتحويلها إلى ما يُشبه «روبوتيك بيولوجية» يمكن التحكم بها أو توجيهها جزئياً. مشروع «RoboRoach» الذي نفّذه باحثون من جامعة ميشيغان على الصراصير، ومشاريع مماثلة على أسماك القرش في مختبرات DARPA، تُشير إلى أن الخط بين الكائن الحي والسلاح التقني يتلاشى بصورة مقلقة السرعة.
polô
تحليلات معمّقة في الجيوسياسة والاستراتيجية الدولية — نقرأ العالم بعيون مستقلة.