لا توجد صناعة في العالم أهم استراتيجياً من أشباه الموصلات اليوم. الهاتف الذكي، السيارة الكهربائية، الطائرة الحربية، نظام الصواريخ الدقيق، خادم الذكاء الاصطناعي - كلها تعتمد على رقائق إلكترونية دقيقة. ومن يتحكم في إنتاجها يمسك بأوردة الاقتصاد الرقمي العالمي، في صناعة لم تكن دائماً بهذا التركز الجغرافي الحالي.
١ التركّز الجغرافي الخطير
92% من أكثر الرقائق تقدماً (دون 10 نانومتر) تُنتج في تايوان - شركة TSMC وحدها تُصنّع نصف رقائق العالم. هذا التركز جعل جزيرة بحجم ولاية ماريلاند الأمريكية من أكثر النقاط الجيوسياسية حيوية على وجه الأرض. لم يكن الأمر كذلك دائماً: اليابان هيمنت على صناعة أشباه الموصلات العالمية في ثمانينيات القرن الماضي قبل أن تخسر ريادتها تدريجياً لصالح تايوان وكوريا الجنوبية، بعد نزاع تجاري أمريكي-ياباني حاد حول الرقائق في تلك الحقبة أدى لاتفاقية تجارية قيّدت الصادرات اليابانية - سابقة تاريخية تُذكّر بأن الريادة التقنية في هذا القطاع ليست أبدية لأي دولة، مهما بدت راسخة.
٢ حرب التكنولوجيا الأمريكية-الصينية
في 2022-2023، فرضت الولايات المتحدة حظراً شاملاً على تصدير الرقائق والمعدات الدقيقة اللازمة لتصنيعها إلى الصين. هدفها: عرقلة تطوير الصين للذكاء الاصطناعي العسكري وقطع الطيران والصواريخ المتقدمة. الصين تردّ بضخ مئات المليارات لتطوير صناعة محلية - وحققت مفاجأة تقنية عام 2023 حين كشفت شركة SMIC الصينية عن قدرتها على تصنيع رقائق بتقنية 7 نانومتر داخل هاتف Huawei Mate 60 Pro، متجاوزة توقعات محللين غربيين كثر حول سرعة تعثرها المفترض تحت وطأة العقوبات. هذا لا يعني تجاوز الحظر كلياً - فالفجوة مع أحدث الأجيال (3 نانومتر وأقل) لا تزال قائمة وواسعة - لكنه يُظهر مرونة صينية أكبر مما توقعه كثيرون.
٣ CHIPS Act: إعادة بناء الأمريكية
في 2022، وقّع بايدن قانون CHIPS Act بـ52 مليار دولار لإعادة بناء صناعة الرقائق الأمريكية. Intel وTSMC وSamsung ضخّت استثمارات بعشرات المليارات في أريزونا وأوهايو. الهدف: تقليص الاعتماد على تايوان وعدم الانكشاف في أي أزمة عسكرية محتملة هناك. لكن معظم النقاش العام يُركّز على الرقائق المتقدمة فقط، متجاهلاً أن الغالبية العظمى من الطلب العالمي الفعلي (في السيارات والأجهزة المنزلية والصناعة) يعتمد على رقائق "ناضجة" أقل تعقيداً - قطاع تتوسع فيه الصين بسرعة متزايدة رغم بقائها خارج سباق أحدث التقنيات، ما يمنحها نفوذاً تصنيعياً حقيقياً في شريحة سوقية ضخمة يُغفلها النقاش المُركِّز حصرياً على أحدث الرقائق فقط.
أشباه الموصلات هي "نفط القرن الواحد والعشرين" - وحرب التكنولوجيا عليها أعمق من أي تعريفة جمركية تقليدية. من يربح هذا السباق يُحدد شكل الاقتصاد العالمي في 2040، لكن النصر لن يكون حاسماً في جبهة واحدة فقط: التفوق في الرقائق الأكثر تقدماً لا يعني بالضرورة الهيمنة على السوق الأوسع للرقائق الناضجة التي تُحرّك فعلياً معظم الصناعات التقليدية حول العالم.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
