في 2018، بدأت الولايات المتحدة حرباً تكنولوجية شاملة ضد الصين - بدأت بالرسوم الجمركية لكنها تعمّقت إلى حظر الرقائق وقوائم الكيانات ومنع الاستثمار في التكنولوجيا الحساسة. الصين ردّت ببناء بدائل محلية وتكثيف الاستثمار في التقنيات المستقبلية عبر خطة "صنع في الصين 2025" التي أطلقتها عام 2015 كطموح رسمي للاكتفاء الذاتي التقني الكامل - خطة تحوّلت لاحقاً إلى نقطة استقطاب رئيسية للقلق الأمريكي. إنها حرب باردة تكنولوجية - ولا رابح واضح بعد.
١ الساحات الرئيسية للمواجهة
خمس ساحات تكنولوجية حيوية: أشباه الموصلات (الرقائق)، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمية، الاتصالات 5G/6G، والفضاء. في كل منها، تسعى كل قوة للتفوق أو على الأقل الاكتفاء الذاتي لمنع نقاط ضعف قابلة للاستغلال. في الفضاء تحديداً، بنت الصين محطتها الفضائية الخاصة "تيانقونغ" (اكتملت 2022) بعد أن استبعدها قانون أمريكي (تعديل وولف 2011) من المشاركة في محطة الفضاء الدولية - مثال واضح على كيف يُنتج الاستبعاد التقني بديلاً منافساً كاملاً بدل إضعاف الطرف المُستبعَد.
٢ Huawei: المعركة الرمزية
حظر واشنطن على Huawei من شبكات الجيل الخامس الغربية كان أول ضربة كبرى في هذه الحرب. السبب المُعلن: مخاوف أمنية من التجسس الصيني. النتيجة: انقسام شبكات الاتصالات العالمية إلى منظومتين - "نظيفة" غربية تعتمد أساساً على شركتي نوكيا الفنلندية وإريكسون السويدية اللتين استفادتا مباشرة من غياب المنافس الصيني، ومنظومة صينية تتوسع في أسواق آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية حيث لا تزال Huawei تحتفظ بحصة سوقية كبيرة رغم الحظر الغربي.
حجم الاستثمار المتقابل يعكس جدية هذه الحرب التكنولوجية: الصين تستحوذ اليوم على 40٪ من براءات اختراع الذكاء الاصطناعي عالمياً، تقدّم لافت رغم القيود الأمريكية. واشنطن ردّت بقانون CHIPS بقيمة 50 مليار دولار لإعادة بناء صناعة أشباه الموصلات محلياً، بينما ضخّت بكين ما يقارب 150 مليار دولار في تطوير صناعة رقائق محلية لتجاوز الحظر الأمريكي. والصين تستهدف رسمياً تحقيق تفوق تقني كامل بحلول عام 2035.
٣ تنسيق الحلفاء: القيود لم تعد أمريكية فقط
منذ 2023، انضمت هولندا (موطن شركة ASML الحصرية عالمياً في تصنيع معدّات الطباعة الضوئية فائقة الدقة) واليابان لواشنطن في فرض قيود مماثلة على تصدير معدّات تصنيع الرقائق المتقدمة للصين - تحوّل من إجراء أمريكي أحادي إلى جبهة متعددة الأطراف منسّقة، ما يُصعّب على بكين إيجاد بدائل توريد بديلة لهذه التقنيات الحساسة للغاية.
٤ الفصل أو التشابك
الاقتصادان الأمريكي والصيني متشابكان بعمق - 700 مليار دولار تجارة ثنائية. فصلهما التقني الكامل سيُكلّف الطرفين مئات المليارات. لكن التشابك نفسه بات ينظر إليه كمخاطرة أمنية. التوازن الدقيق بين "decoupling" و"de-risking" هو التحدي الاستراتيجي الأصعب لصنّاع القرار في كلا العاصمتين.
الحرب الباردة التكنولوجية لن تنتهي بانتصار أحد - الأرجح توصّل لتوازن تقني مستقر مع احتفاظ كل طرف بمجالات هيمنته النسبية. الخسارة الكبرى ستكون لدول كثيرة مجبرة تدريجياً على الاختيار بين المنظومتين التقنيتين المتوازيتين، بدل الاستفادة من سوق تقني عالمي موحّد كما كانت الحال لعقود.
📩 لا تفوّت أي تحليل
نشرة أسبوعية مجانية - الجيوسياسة بعمق، بالعربية
